آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 4:44 م

نبي ضد التمييز

سياسة الإلهاء

بدر شبيب الشبيب *

﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ «36» أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ «37» سورة غافر

كعادة الطغاة المستبدين لا يخضعون للحق ولا يصغون للمنطق بسبب تكبرهم وتجبرهم، بل يحاولون تضليل الجماهير وإبعاده عن الإنصات لصوت العقل بإشغالها بقضايا مفتعلة تزيف الوعي وتصرف الناس عن قضاياها الأساسية، وتضمن بالتالي بقاءها في السلطة تمارس استعبادها وبطشها أطول فترة ممكنة.

وقفات:

1 - فرعون في هاتين الآيتين عندما رأى أن مؤمن آل فرعون استطاع بمنطقه الهادئ وحججه القاطعة أن يؤثر في المخاطبين، وعندما رأى أن موسى قد انتصر عليه يوم الزينة أمام أعين الجماهير، وتمكن من استقطاب البعض إليه، خاف من انتشار الوعي بين الشعب مما سيقلب الوضع عليه، وينذر بالخروج على سلطته والمطالبة بإسقاط نظامه. عندها أعمل دهاءه الماكر فطلب من وزيره هامان أن يبني له بناء عاليا يصعد به إلى السماء لينظر إلى إله موسى يريد بذلك إبطال دعوة موسى إلى إله العالمين.

﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ. أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى

والأسباب هي الأدوات والوسائل الموصلة إلى المكان البعيد، فهو يريد الصعود إلى أعلى الصرح المشيد ليكتشف طرق السماوات الموصلة إلى إله موسى.

وهو بذلك لا يبحث عن الحقيقة، بل يريد التمويه والتضليل واستحمار الناس بسياسة التجهيل التي يجيدها المستبدون. ولذا فإنه قال من البداية ﴿وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً.

2 - يرى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره الأمثل[1]  أن هناك ثلاثة أهداف أراد أن يحققها فرعون من بنائه الصرح.

أولها: إلهاء الناس وصرف أذهانهم عن قضية نبوة موسى عليه السّلام وثورة بني إسرائيل.

ويوضح ذلك قائلا: يلاحظ بعض المفسّرين أن فرعون خصص لبناء صرحه مساحة واسعة من الأراضي، ووظّف في إقامته خمسين ألفا من العمال والبنائين المهرة، بالإضافة إلى من انشغل بتهيئة وسائل العمل والتمهيد لتنفيذ المشروع، وكلما كان البناء يرتفع أكثر كلّما ازداد تأثيره في الناس، وأخذ يجلب إليه الاهتمام والأنظار أكثر، إذ أصبح الصرح حديث المجالس، والخبر الأوّل الذي يتناقله الناس.

ثانيها: اشتغال أكبر قطّاع من الناس، وعلى الأخص العاطلين منهم، لكي يجد هؤلاء في هذا الشغل عزاء - ولو مؤقتا - عن مظالم فرعون وينسون جرائمه وظلمه. ومن ناحية ثانية فإنّ اشتغال مثل هذا العدد الكثير يؤدي إلى ارتباطهم بخزانة فرعون وأمواله، وبالتالي ارتباطهم بنظامه وسياساته!

ثالثها: أن يصعد إلى أعلى نقطة فيه، ويرمق السماء ببصره، أو يرمي سهما نحو السماء، ويرجع الى الناس فيقول لهم: لقد انتهى كلّ شيء بالنسبة لإله موسى. والآن انصرفوا إلى أعمالكم براحة بال!!

هكذا يتم نزييف الوعي وقلب الحقائق دائما من قبل الديكتاتوريين وأعوانهم. لذا يجب على الجماهير أن تحذر من خططهم الجهنمية ومؤامراتهم الكيدية بعدم الانجرار إلى تلك المخططات، والتركيز على القضية الأساسية.

3 - إن فرعون وكل فرعون لا يرى في جرائمه إلا عملا حسنا لانقياده لأهوائه وشهواته، واعتبارها الفيصل في تحديد الحق والباطل ﴿وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ

4 - لقد أوضحت الآية الثانية ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ أن ما فعله فرعون هو مؤامرة أو بحسب التعبير القرآني «كيد» يراد به استغفال الناس. كما أوضحت بأن مصير تلك المؤامرة في النهاية هو الفشل - وإن طال الزمن - حيث سيأتي يوم يدرك فيه الناس حقيقة ما يراد بهم وتنكشف الحقائق أمامهم، إذ لا يمكن أن تخدع كل الناس كل الوقت.

[1]  تفسير الأمثل، ج15، ص263