آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

بانوراما عاشوراء في السعودية

محمد باقر النمر

كما تعدد الموارد الاقتصادية يعد خيرا للأوطان فإن تعدد الثقافات والتوجهات الدينية هو الاخر خيرا للأوطان عندما يحسن استخدامه.

بلادنا فيها من المشارب والتوجهات الثقافية والفكرية والدينية الكثير وهي تحت سقف وطني واحد.

المشارب الدينية في ارض الجزيرة العربية موجودة منذ مئات السنين وإذا كان التاريخ سجل في الجزيرة العربية احترابات قبلية الا انه لم يسجل فيها او المملكة العربية السعودية لاحقا أي احتراب على أساس مذهبي.

ولنا في بلادنا ان نفخر ان يكون فيها اتباع للائمة الأربعة واتباع للمذهب الإمامي الاثنا عشري والإسماعيلي والزيدي ولست هنا مفصلا عن أهمية ذلك من النواحي الثقافية والفكرية الا انه وبكل تأكيد اثراء يعتد به إذا ما أحسن التعامل مع هذا التنوع.

التوقيت الان الساعة الثامنة ليلا من يوم الاربعاء العاشر من محرم الحرام.

الانفاس كانت محبوسة والاعصاب مشدودة لعشرة أيام مضت تترقب وفي اي لحظة صوتا مدويا لحزام ناسف او زخات من رصاص تتطاير لتحصد اي من المعزين في الحسينيات ومجالس العزاء المكشوفة في كل زوايا المدن والقرى وبعض منها ومن شدة الازدحام يفترشون الطرقات فيكونون صيدا سهلا يسيرا وثمينا لكل من أراد بهم سوء.

محرم وما أدراك ما محرم في بلادي كانت بداية الاستهداف الارهابي لمأتم العزاء فكانت الحصيلة في الدالوة ثمانية شهداء ومثلهم من الجرحى كان ذلك في التاسع من محرم سنة 1436 هـ.

ومحرم الماضي 1437 هـ كانت الحصيلة في سيهات أربعة شهداء بينهم طالبة امتياز في كلية الطب بثينة العباد ومثلهم من الجرحى.

وما بينهما كانت التفجيرات الارهابية في القديح والكويت والعنود ونجران وعسير وجدة والمدينة وكلها قدمت وكانت ضحية الإرهاب الاعمى.

عشرات الالوف محتشدة ختمت مع غروب شمس الاربعاء تجمعا سلمي.

رجال امن يحيطون بالمنطقة في حزام أمنى واقي للملاحظة والمراقبة لمنع ما يخل بالأمن ودوريات ومصفحات تحمي اغلب مقرات العزاء اما الخدمات الامنية المساندة والمتممة لرجال الامن فهي السواعد الشبابية الاهلية التي تراقب وترصد الحالات المشبوهة في داخل المآتم والتي ينظر اليها الاهالي بكل محبة وود واحترام وهم في تنسيق مباشر مع الجهات الامنية الرسمية لأي حالة شبهة.

كانت القطيف والاحساء الى ما قبل الاربعين عاما تستورد الخطباء من الخارج وتحديدا من العراق كالسيد حسين الشامي والسيد مرتضى القزويني في سبعينات القرن الماضي.

اما اليوم فالمفارقة تكمن في الطلب على الخطباء خارج المملكة وعلى سبيل المثال لا الحصر الشيخ فوزي السيف الى المجالس الحسينية في لندن والسيد منير الخباز الى الكويت واللذان يعدان اليوم أبرز الخطباء وغيرهما.

في عاشوراء

الفعاليات المصاحبة للمجالس الحسينية مشهد يوحي بالكثر من المؤشرات أهمها حرية ممارسة هذه الشعيرة بكل تفاصيلها في بلادنا وهذا امر لا شبهة عليه.

لن اتحدث هنا عن المحاضرات او ما يطلق عليه القراءة لأنها تحصيل حاصل ولكن لا شك انها تطورت بشكل مقبول ويكفي الى ان اشير ان هناك لجان تقييم لتلك المحاضرات تعقد بعد انتهاء العشرة الأولى ومفتوحة للعموم ويلقي فيها جمع من المثقفين والأكاديميين آرائهم وانتقاداتهم ومقترحاتهم لغرض التطوير.

** لبس الأسود من اللباس ثوبا وكوفية وقميصا وبنطالا هذا من اول ما يمكن مشاهدته في هذه المآتم

كما الأعلام السوداء والحمراء والخضراء فوق المآتم والبيوت والازقة والطرقات والتي يقصد بها الشيعة الى اعلان حالة العزاء وبدء موسم عاشوراء.

** المضايف وهو عبارة عن خيمة شعبية او مقرا مكشوفا يقام من متبرعين لتوزيع الحلويات والمرطبات على كل من يستمعون للخطيب وحتى أولئك المارة الى جانب المجالس الحسينية وقد اصبحت ظاهرة في كل الطرقات.

** اما الاطعام وأعني به توزيع الرز كما هي العادة في مثل هذه المجالس لدى عموم الشيعة في العالم فقد أصبح بشكل يصل الى حد الإسراف وان كان يوزع على حتى الاجانب وأعني به العمالة الاسيوية المسلمة وغير المسلمة المتناثرة في البلاد.

** المراسم واللوحات والمعارض الفنية المتخصصة في واقعة كربلاء هي من أبرز المعاني الحضارية لإبراز واقعة كربلاء بصورتها الاجمل.

** معارض الكتاب الشعبية المتخصصة وغير المتخصصة هي الأخرى تنشط في هذا الموسم ففضلا عن الكتب الدينية تجد الكتب الثقافية والعلمية ويوزع بعضها مجانا وبعضها بالتبادل.

** منتديات الشعر الحسيني تزخر منذ سنوات بعد يوم عاشوراء يشارك فيها ادباء رائعون. وملتقى شعراء الطف الذي يقيم ندوته الثامنة عشر هذا العام هو أبرز المنتديات المتخصصة في هذا الجانب.

** ومن باب الإنصاف وتقديم المشهد كما هو فان المنطقة ليست منفصلة عمن يعتقدون بالتطبير وهو شق الرؤوس وغيرها من الطقوس التي تلاقي استحسانا هنا واستهجانا هناك والتي يجيزها بعض مراجع الشيعة ويستشكل عليها البعض الآخر.

** مسارح وساحات التمثيل هي الاخرى تطورت وتطور معها النص والأداء وهذه المسارح هي من أبرز الانشطة الابداعية ويتجلى فيها الفن نصا وتمثيلا وتستوعب المئات من الطاقات الشبابية خاصة.

وفي هذا فإن مسرحية مهر الشيطان وهي عمل فني يحضر له منذ ستة أشهر يزدحم فيه الحضور الرجالي والنسائي على انفراد.

** مراكز التبرع بالدم حيث تنشط بنوك الدم بالمتبرعين وتقوم بعض المستشفيات بوضع سيارات متنقلة للتبرع.

هذه المبادرة يعتبرها البعض بديلا عن عملية التطبير وشق الرؤوس وإسالة الدم وهي في حالة تطور وهنالك اقبال ملحوظ عليها في القطيف والبحرين خاصة.

على الرغم من حالة الإحتقان الطائفي والتي بلادنا ربما حصدت مزيدا من النقاط على غيرها الا ان زوارا من السنة المعتدلين حضروا المجالس وشاركوا بكلمات لاقت الاستحسان والترحيب وكان من أبرزها زيارة الشيخ عبدالرحمن المحرج «سلفي نجدي معتدل» ومعه اخرين.

قدر أحد المتابعين ان عدد المحاضرات التي ألقيت في الموسم ب 19000 محاضرة ومثلها او أكثر في الاحساء ولا يوجد احصاء او اشعار بعدد المحاضرات في المدينة المنورة والدمام الا ان المحصلة النهائية بالتأكيد يفوق 50000 محاضرة يلقي فيها كل الخطباء بمختلف انتماءاتهم الفكري والثقافية للمدارس والمشارب داخل البيت الشيعي.

ان ما ينبغي قوله في خاتمة هذه الاسطر كلمتان:

الأولى لأهلينا من الشيعة أقول لهم: ان الحسين ابن علي ابن ابي طالب ليس حكرا على الشيعة وان السواد الأعظم من المسلمين يجلونه ويستنكرون ما حصل له من مأساة يوم العاشر من المحرم.

صحيح هناك اختلاف في تفاصيل وكيفية التضامن مع الحسين واهل بيته الا ان أحدا من المسلمين لا يرتضي ما جرى عليهم بكل تأكيد.

الكلمة الثانية لإخواننا اهل السنة في بلادنا خاصة: لا ينبغي ان يكون الاحتقان المذهبي الموجود في العالم الإسلامي مدعاة الى القطيعة مع الشيعة من أبناء وطنكم الذين يكنون الولاء لهذا الوطن ويلتقون معكم تحت مضلته.

ثم إذا كانت بعض الطقوس لا ترونها صحيحة فهي غير ملزمة اليكم ولا تضايقكم في دوركم ولا شوارعكم.

وان أفضل وسيلة للتعرف على مكنونها هو الاقتراب منها وليس الصد عنها.

حياكم الله في أي وقت تودونه وستجدون الصدور مفتوحة لكم وتسعكم العيون قبل البيوت.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
حسن الشيخ
[ القطيف ]: 19 / 10 / 2016م - 8:11 ص
رائع ويمثلني الكاتب والمكتوب
وطني بإمتياز
متزن
كما تعودناك أستاذ محمد
فرج الله لنا ولك
شكرا لك وشكرا لجهينة على النشر