آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 2:01 ص

تصبحون على خير «1»

أيمن القطري
  • ما حكم أن نتطور؟
  • ما حكم أن نتغير للأفضل؟
  • ما حكم أن نساهم في صنع نهضة؟

أحكام قد لا نجدها في أبواب الفقه، لكنها ساطعة في خمائر فطرتنا كشمسِ شهر آب. جميعنا مفطورون على جملة من الأحكام التي لا تقبل الاختلاف، لا ولا حتى الظنون. والعجيب الغريب هو حينما لا نولي تلك «الرسالة العملية» التي قد أودعها الله سبحانه في نفوسنا ما نوليه للاحتياط الاستحبابي من فقهياتنا المستنبطة، علمًا أنّ تشريع بعض الفقهيات جاء لعلّة إحياء نزعاتنا الفطرية السليمة وتعزيزها في نفوسنا.

التغيّر للأفضل، التطوير، التحسين، النهضة، كلها مفردات ننتشي بالتخطيط والعمل من أجلها على الصعيدين الفردي والاجتماعي. وأخال ذلك ميزة خاصة قد حباها الله سبحانه نزعتنا نحو التكامل. في كلّ حين، وفي كلّ آن، تشدّك ذاتك نحو أن تكون أفضل وأكمل وأحسن، علميا، عمليا، اقتصاديا، واجتماعيا. المشكلة هي حينما نتجاهل كل ذلك الضجيج الملهم المؤنس ونلوي هكذا حكما صارخا «بوجوبه الفطري» لنزويه مع جملة الأحكام الكمالية المباحة. ويا له من إخمادٍ لتلك الشعلة الربانية الموقدة في داخلنا! ويا له من وأد لتلك الهمم المباركة التي قد حبانا بها الرب العظيم! إذ أنّ أزيز النفس هذا هو أوكسجين الأمل، وأيّ موبقة هي خنق الآمال!

الإنصات إلى النفس ورغبتها في القفز نحو الأفضل بداية البدايات. ولا يسقط ذلك النداء الفطري وتلك الواعية إلا بالسعي لتحقيق هذا الواجب الذي يدغدغنا كل حين. متلازمة «لنا الآخرة» وتسلية الذات بالرضا المذموم، داء عظيم يدكّ هذه البداية الملهمة دكّا دكّا. «لنا الآخرة» هي أداة العاجز الفاشل الذي يكمم بها أصوات الذات المباركة التي يُنطقها الله تعالى فينا من أجل أن نكون أفضل.

”سكوت هاريسون“ استجاب يوما لحديث ذاته بعد 28 عاما من التجاهل. ليس لنا أن نتخيّل كم لتلك الاستجابة الواعية من أثر عليه وعلى كوكب الأرض الفسيح! قضى ”سكوت“ شبابه نادلا في حانات الليل بنيويورك. جلّ فكره كان في السكرة والسهرة. وذات رحلة للأوروغواي، تأمل في نفسه بأذن صاغية. سألته ذاته سؤالا دفعه لأنْ يكون أكمل وأحسن، ولأنْ يكون هو وبني جنسه من البشر بحالٍ أفضل. كان سؤال ذاته: «كيف سيكون نقيض حياتك يا سكوت؟». سؤالٌ واحد من الذات ذات خلوة قلَب حياة ”سكوت“ رأسا على عقب. دفعه ذلك السؤال لأن يهجر حانات الليل وقرع الكؤوس إلى سواحل إفريقيا الغربية. من نادل في مدينة المال والأعمال، إلى متطوع في قرى البؤس والجوع والليل الطويل. كان ”سكوت“ يحاول أن يجيب على ذلك السؤال النقي الذي غزاه في لحظة إنصات. رأى في ليبيريا من الفقر والمرض والبؤس ما رآه! وقرّر بعدها أن يرسم النقيض من حياة الليل التي كان يدمنها. قرّر ”سكوت“ أن يقدّم الماء بدلا من الخمرة. في عام 2006 أسّس وهو في الثلاثين من عمره منظمة خيرية تعنى بإيصال الماء الصالح للشرب إلى الدول النامية. وفي خلال عشر سنوات من السعي والعمل نجحت المنظمة بقيادته في خدمة أكثر من 6 ملايين إنسان يقطنون 24 دولة فقيرة كليبيريا وإثيوبيا ورواندا وماليا. وصرفت المنظمة أكثر من 150 مليون دولار لتمويل أكثر من 19000 مشروع لتلك الدول النامية.

كل هذه الأرقام المدهشة لم تكن لتكون لو تجاهل ”سكوت“ تلك النفحة من التغيير والتحسين التي اعترته. كل ذلك الخير الكثير لم يكن ليبصر الحياة لو قزّم ”سكوت“ ذاته وحمل ما تدعوه إليه نفسه على نحو الاستحباب أو الفرض الكفائي. امتثال ”سكوت“ لهكذا نزعة فطرية واجبة في لحظة ما وربما لثواني معدودة من عمره، أثمر كل هذا الخير العظيم. ملايين البسمات صنعتها تلك اللحظة المباركة. ولكأنّ يدا من وراء ضريح الغيب تبارك كلّ جهد يمتثل ما أودعه الله تعالى فينا من أجل أن نكون أحسن!

أول التغيير وأصله هو الحديث مع الذات ونزعاتها الرحمانية الرحيمية. الرجوع إلى الذات لا يقل وجوبا عن الرجوع إلى الفقيه وأحكامه. في عالم الفقه واجبات غليظة، وفي عالم الذات واجبات غليظة. هنا واجبات تسقط بالأداء، وهناك واجبات لا يُسقطها إلا الإنصات والسعي. لكَ أن تتخيل لو تعامل أحدنا مع تحسين وضعه أو وضع مجتمعه العملي أو العلمي كتعامله مع الواجب من الأحكام الفقهية! ليس لنا أن نتصور ما سنصير إليه. حقا لا إنشاءً، سنصبح جميعا كل يوم على وابلٍ من خير.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
علي الصفار
[ تاروت ]: 28 / 10 / 2016م - 12:51 م
الإنصات إلى النفس ورغبتها في القفز نحو الأفضل بداية البدايات. ولا يسقط ذلك النداء الفطري وتلك الواعية إلا بالسعي لتحقيق هذا الواجب الذي يدغدغنا كل حين. متلازمة «لنا الآخرة» وتسلية الذات بالرضا المذموم، داء عظيم يدكّ هذه البداية الملهمة دكّا دكّا. «لنا الآخرة» هي أداة العاجز الفاشل الذي يكمم بها أصوات الذات المباركة التي يُنطقها الله تعالى فينا من أجل أن نكون أفضل.

مقال محفز لانطلاق الانسان الى الابداع
و دك الكسل واللامبالاة دكا دكا
نترقب صباح الخير ياابو عبدالله