آخر تحديث: 11 / 8 / 2020م - 9:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

التشريع.. وأهلية الحاضن

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

أحيانا يتربص بالمجتمع الاختيار بين بناء حضانة، أو بناء سجن.. أو حفر قبر لضحية عاجزة، مسلوبة القدرة، والحول، والتدبير..!

في مقال سابق تحدثنا عن أن القدرة على التخصيب من الذكور، لا تمنح صاحبها ”أهلية الأبوة“، ولا تجعله متصفا بالصلاح في التربية، وكذلك الحمل والولادة من الأنثى..! وهذا ما يجعلنا نفترض تشريع ”أهلية الحاضن“، وإمكانية وجود تشريع في العقوبات الجزائية، تمتد عدالته لحماية الطفل القاصر  ليس من الاعتداء الجسدي وحده  بل تحميه من التكوين النفسي المشوه، وتنتزع منه سلامة فطرته، وإنسانيته.

ما زلت أفترض مع ”النظام الشامل“ و”وحدة المعلومات“ إمكانية، أن نحول دون وقوع جريمة في حق طفل. أحد أبويه أو كلاهما، لا يؤتمن على حياة طفل، ولا يستأمن على تربيته..! بحيث يشتمل الحكم الجزائي على ”إسقاط الحضانة“ والتربية، وعدم تمكينه من الوظائف ذات الصلة كالجاني المقترف لجريمة جنسية بحق طفل.. وكالمدمن الذي لم يثبت أمام جهة الاختصاص علاجه، وصدق توبته.. والشاذين بهوس الجنس مع القاصرين، وكذلك تصدر المستشفيات ”توصيات ملزمة“ بإسقاط الحضانة ممن يعاني السادية، متعة إنزال العذاب بالضعفاء من حوله. وبذا يتم تحول الحضانة والولاية على القاصر إلى قاعدة قول الله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم «75 الأنفال». فتصير الحضانة والولاية إلى الأخوال والأعمام، والعمات، والخالات، مع إلزام الأب بالنفقة والمعاش. والزيارة المراقبة بما يكفي لحماية الطفل.

ذعر مخيف ساد قلوب الناس، بعد أن قام «أب» بنحر طفلته بطريقة مروعة جدا، تبين لاحقا أنه مدمن وذو سوابق كثيرة، وغير مستقر عقليا، إلا أن هذا كله لم يحل دون «السقوط التبعي للحضانة» لسلسلة الجنايات التي تجعله شديد الخطر على الطفولة.

أصبحت الكويت في الأسبوع الماضي على يوم كئيب طافح الحزن، والوحشة، والغرابة بعد رؤية جثمان طفل قام أبواه بقتله بما تقشعر منه الأبدان والقلوب..!

الجريمة من الإنسان قلما تكون كالزلزلة التي تباغت المدن وأهلها نائمون، فتأخذهم بغتة وهم عنها غافلون..! بل هي هنا تأتي من إنسان ”غير صالح“ ليؤتمن على قاصر، ولا يمكن التنبؤ بأفعاله، ولا يمكن السيطرة على غضبه.. وهذا يجعل ولايته أو انفراده بمن لا يملك القدرة على الدفاع عن نفسه بالغ الخطورة، وهو مقدمة لجريمة من الممكن أن تقع في أي لحظة دون القدرة على إنقاذ الضحية. ولهذا نسمع عن ”مجرمين سابقين“ قتلوا أمهاتهم أو أحرقوهن أحياء، وجرائم قتل الأطفال تتكرر في العالم العربي كخبر شبه يومي..!! ذلك لأن التشريع، والعقوبات الجزائية، أعفت نفسها من حق حماية الضعفاء والضحايا المحتملين لهذا الجاني، الذي لم يثبت بعد قدرته على ترك نزواته، ولم يظهر ملامح الطهر منها في حياته العملية.

أتصور أن كلا من المحاكم الجزائية، ومراكز الطب النفسي المتخصصة في علاج المرضى، والمدمنين، ليس في التشريع، ولا في النظام العام ما يمنعهما من ”التقييد“ أو ”المنع“ من الحضانة، مستفيدين من النظام الشامل للمعلومات الآن، بما يحمي الضحايا المحتملين من أسوأ العواقب وأشنع الجرائم.. وهو النظام المطبق فعلا في كثير من دول أوروبا.. ثمة تشريعات مباشرة لحماية الطفولة تأتي متلازمة وتابعة لعدد غير قليل من الجنايات، ومن اعوجاج السلوك، ومرض النفس.