آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 1:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

نقطة إضاءة على تركيا والسلطان اردوغان

باقر علي الشماسي *

ماذا استفادت مستعمرات الامبراطورية العثمانية في الشام وفي الخليج وفي القطيف؟ - مثلا: لقد قرأنا ان الشام حكمها السفاح جمال باشا كممثل للإمبراطورية وعاصمتها استانبول بانه بطش برجال الشام وشبابه، اذ اعدم العشرات وعلقهم في المشانق، كونهم اعترضوا على استعمار بلادهم وعلى اسلوب التعامل المتخلف جدا مع الشعب العربي هناك، ناهيك عن الاف المعتقلين وعذاباتهم المريرة في السجون.

وفي الجزيرة والقطيف والاحساء، لم نر ولم نسمع قط في العهد الطويل والطويل جدا من الزمن لهذه الامبراطورية الاستعمارية العثمانية اي اثر في اعمار البنى التحتية. لم نر حتى مدرسة ابتدائية ولو بالإيجار، ولا مركز بريد ولو صغيرا، ولا حتى مركزا صحيا صغيرا ولو بالإيجار: ولا حتى رجم حفرة في شارع، فما بالك بتعبيد شارع ولو بطول عشرة امتار: وكانت الامراض بأنواعها تفتك بالناس كالجدري والملاريا، من كثرة المستنقعات الاسنة، ولم نر اي إعمار في هذه البلدان على الاطلاق. ناهيك عن القمع وعصابات السرقات والنهب والسطو، وغياب الامن والاستقرار هو السائد: ومن هذه الفوضى والانفلات الامني نتج منها «واقعة الشربة» الفتنة الاهلية، والحكام العثمانيون ووكلائهم لم يحركوا ساكنا. وذلك في عام 1908م.

وفي مصر قام محمد علي باشا بإنقاذ مصر من مستنقع التخلف العثماني والاذلال لشعب مصر من تسلط حكم «استانبول - اصطانبول». علما بانه «أي محمد علي باشا» كان واليا من قبل حكم هذه الدولة الاستعمارية المتخلفة ومن خلال حكمه لمصر انجز الكثير من شق قنوات والتوسع في الزراعة، وانشئ مصانعا مدنية. كما وبنى اصطولا حربيا ضخما، وبنى جيشا لجبا وو. الخ بدءا من 1907م... ومن رحم هذه الاوضاع اللامن واللااستقرار واللاعدل، ومن الظلم والاستبداد كثرت الجروح الغائرة والعصية على العلاج في جسد ذلك العجوز الغبي: لذلك توسعت التنظيمات السرية ضد هذه الامبراطورية المتآكلة حتى في داخل تركيا نفسها. وكان من ابرز الشخصيات المعارضة الخطرة هو مدحت باشا وقد قتل في السجن خنقا، في 1884م لكونه كان متمسكا وملتزما بأحكام الدستور.. وذلك في عهد السلطان عبد الحميد الثاني... ومن خلال تلك العواصف المكفهرة والانفاق المظلمة، ومن خلال القبضة الحديدية انفجر الوضع الامني من جذوره، حيث قام كمال اتاتورك في 1923م بتغيير وجه التاريخ في تركيا، فألغى البابوية اللاهوتية في استانبول. كما واستبدل الحروف العربية بالحروف اللاتينية. وكأنه متيم بحب الغرب وانظمته، فاستبدل حتى عاصمة بلاده بمدينة اخرى وهي انقره، ربما إرضاء للغرب... وبعد مرور زمنا قصيرا، بدأت تركيا «الدولة الوليدة العلمانية الجديدة» تغرق في امواج عاتية «من اللاسيادة لتركيا» حيث انزلقت في احضان الغرب: ياسبحان الله الذي يغير ولا يتغير، اذ انقلبت من امبراطورية الى دولة تابعة للغرب الذين كانوا بالأمس القريب اعتى أعدائها.

والكارثة التي عصفت بتركيا وهي حين وصل «السلطان اردوغان الى عرش الدولة العثمانية الوهمية» فصار يمثل دور السلطان عبدالحميد الثاني، ذلك السلطان «المهلوس الباطش» وكأنه ذلك الغراب الذي كان يقلد مشية الطاووس فلم يستطع فنسي حتى مشيته. والفرق بين هذين السلطانين: هو أن عبدالحميد الثاني قد طرد هارتزل، منظر وممثل ظهور الصهيونية وطموحها لاحتلال فلسطين، طرده من قصره «يلدز» ب استانبول، بسبب طلب هارتزل من السلطان عبدالحميد الثاني شراء اراض لليهود في فلسطين بمبالغ ضخمة ومغرية: بدعم من الغرب... بينما نجد ان السلطان اردوغان - العثماني باع كرامة وطنه حين سمح بقواعد عسكرية امريكية ببلاده، كما وباع مواطنيه على اسرائيل بثمن زهيد تافه مقابل قتل شهداء السفينة المسالمة، كمناصرة عنهم لشعب فلسطين وحقوقه المغتصبة، قبل سنتين ونيف تقريبا: وليس هذا وحسب بل، أن هذا السلطان العثماني اردوغان، قد تمادى في اهانة شعبة بمغازلته للكيان الاسرائيلي والتقرب منه اكثر فاكثر لعل هذا الكيان يشفع له لدى الاتحاد الاوروبي في قبوله عضوا في الاتحاد وفي السوق المشتركة؟! وقد خاب ظنه.. 

والآن يزعم ان عدوانه على العراق بدخول جيشه داخل حدود العراق من اجل «ارجاع الموصل لامها تركيا!!؟» وتناسى أن لواء الاسكندرون هو لازال محتلاً منذ عام 1939 م من قبل تركيا... اما اعتقاله اكثر من سبعين الف مواطن تركي من قضاة وسياسيين كبار وصحفيين وجنرالات وعسكريين ومواطنين عاديين و. الخ بعد الانقلاب الفاشل؟! فهذه دلالة قاطعة بان هذا السلطان «العثماني الامريكي المزدوج» اردوغان لا شعبية له بل وصلت الى الصفر: ولا استبعد أن الغليان الشعبي والعسكري سيكون له بالمرصاد: وربما في المدى المنظور او المتوسط، وحينذاك لن تحميه اسرائيل، ولا أسيادها الامريكان. ولا - التابو - في تركيا نفسها. لا سيما هي اليوم في مخاض وفي منعطف تاريخي. في اخر المطاف يبدو لي،، ان هذا «القرش الجائع» السلطان اردوغان - لابد وان يقع في - سنارة الصياد،، وهو «الغليان الشعبي التركي». وذلك ليس ببعيد.

كاتب وصحفي- الشرقية - القطيف