آخر تحديث: 15 / 7 / 2020م - 10:12 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الامام الحسين في القرآن «آيات ومصاديق»

علي أحمد البحراني

كثر الكلام حول الامامة في الآونة الاخيرة بين المثقفين الشباب واخذ بعض الشباب يروج على انه لا دليل من السنة على إمامة أهل البيت مما انبرئ كثير من الكتاب والعلماء والمثقفين المتدينين في الذود عن هذه الفكرة في تأليف الكتب والمقالات والرسائل وغيرها.

ولو تأملنا في السنوات الأخيرة كثر الكلام ايضا حول تشويه مسيرة الإمام الحسين وحول القضية الحسينية وهذا ليس بجديد علينا، ولكن ما اثار الدهشة هو ان بعض ابناء الطائفة الشيعية قد تأثروا كثيرا حول هذا الاعلام المضاد الذي شوه بعض الافكار عندهم مما ترك بعضهم المواكب الحسينية.

وفي هذا الكتاب الذي بين يدينا نجد هناك آيات من القرآن الكريم وأحاديث الرسول ﷺ، حول القضية الحسينية قبل ان يولد الامام الحسين وبعد ان ولد وسوف نستعرضها في هذا ا لكتاب الذي صدر عن دار الجزيرة في بيروت.

يقول مؤلف الكتاب «ان الباعث والمحرك في تأليف هذا الكتاب هو محاضرة سمعها في ايام محرم للعلامة الشيخ فيصل العوامي، وكانت هذه المحاضرة بعنوان «الحسين في القرآن» مما جعله يتأمل في الآيات التي نزلت في الحسين والآيات التي تعتبر مصداق من مصاديق الإمام الحسين في شخصيته وثورته المباركة ونتائجها المبهرة التي انتشلت الإسلام من صورته المزيفة إلى صورته الناصعة الأصيلة».

ولعل الكتاب يعتبر فريد من نوعه في هذا المجال خصوصا وإنا الباحث قد بحث في الآيات التي نزلت في الامام الحسين حقيقة وتفسيرا وهذه الآيات هي: آية التطهير وآية المباهلة وآية المودة.

وتناول الكاتب ايضا الآيات النازلة في الإمام الحسين كمصاديق وترك بعض الآيات التي جاءت كتأويل.

الفصل الأول

اما الفصل الأول من الكتاب فقد جعله المؤلف في الآيات النازلة في الحسين حقيقة وتفسيرا حيث قال: زخر القرآن الكريم بآيات يتلوها المسلمون آناء الليل وأطراف النهار في فضل أهل البيت وبيان مقامهم الشامخ وذلك لإقامة الحجة وليتخذهم المسلمون أسوة وقدوة ونبراساً لهم في حياتهم لأنهم الطريق المفضي إلى طريق الهداية في الدنيا والفلاح في الآخرة. ولا ريب أن الإمام الحسين هو فرد من أفراد أهل البيت فهو مشمول بهذه الآيات.

وآية التطهير هي الآية الأولى التي اجمع أهل الحديث والتفسير على ان هذه الآية نزلت في أهل البيت في صحيح مسلم عن عائشة قالت: خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط مرحل، من شعر اسود فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.

وفي المستدرك عن أم سلمة انها قالت: في بيتي نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.

وعن عمرة بنت أفعى، عن أم سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي ﴿يُرِيدُ اللَّهُ وفي البيت سبعة جبرئيل وميكائيل ورسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وأنا على باب البيت فقلت: يا رسول الله: ألست من أهل البيت! فقال: إنك إلى خير إنك من أزواج النبي ما قال: إنك من أهل البيت.

والظاهر أن هذا الفعل من رسول الله ﷺ تكرر منه في أحوال كثيرة وصور شتى لهذا استظهر محب الدين الطبري أن هذا الفعل تكرر منه ﷺ في بيت أم سلمة يدل على اختلاف هيئة اجتماعهم وما جللهم به ودعائه لهم وجواب أم سلمة والمنع وقع من دخولها معهم فيما جلهم به وعليه يحمل قولها وأنا معهم أي أدخل معهم لا أنها ليست من أهل البيت بل هي منهم.

ولم يكتفِ رسول الله ﷺ بالكلام القولي وتكراره على الدوام بل أراد أن يترجم القول مع الفعل فبعد نزول الآية أخد يمر على بيت علي وفاطمة أربعين صباحًا وفي رواية ستة أشهر وفي أخرى تسعة أشهر يقول الصلاة يرحمكم الله ويقرأ الآية.

وهذا الفعل من النبي ﷺ وتكراره خلال هذه المدة الزمنية التي ليست بالقصيرة تدل على أنه ﷺ قد خشي أن يستغل بعضهم قربه منه فيزعم شمول الآية له، فحاول قطع السبيل عليهم بالتأكيد على تطبيقها على هؤلاء بالخصوص، وتكرار هذا التطبيق حتى تألفه الأسماع، وتطمئن إليه القلوب.

ومع هذه الأحاديث الصحيحة وترجمتها على أرض الواقع حاول البعض أن يُبعد هذه الآية عن أهل البيت ويسلبهم فضيلتها حيث قالوا أنها نزلت في نساء النبي خاصة وآخر في بني هاشم جميعًا ولا شك أن هذه الأقوال باطلة وبعيدة كل البعد عن الصحة.

وتشبت أعداء أهل البيت من النواصب أنها نزلت في نساء النبي خاصة وذلك بدليل السياق الذي جاءت به الآية.

وقال الشبلنجي: في الآية دليل على نبوته وعلى فضل أهل الكساء «رضي الله عنهم» وعن بقية الصحابة أجمعين.

واستعرض المؤلف آية المباهلة في الآية الثانية حيث قال:

أجمع أرباب الحديث والتفسير أن الآية نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين وذلك عندما خرج رسول الله معهم لمباهلة نصارى نجران والمقصود بأبنائنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة وأنفسنا علي بن أبي طالب، وهذا يدل على فضل أهل البيت لايدانية أحد من هذه الأمة، قال الزمخشري: لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء ، وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي ﷺ لأنه لم يروِ أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك.

نقل الواحدي في أسباب النزول عن جابر بن عبدالله قال: قدم وفد أهل نجران على النبي ﷺ العاقب والسيد، فدعاهما إلى الإسلام، فقالا أسلمنا قبلك، قال: كذبتما إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإسلام فقالا: هات أنبئنا، قال حبّ الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير؛ فدعاهما إلى الملاعنة، فوعداه على أن يغادياه بالغداه فغدا رسول الله ﷺ فأخذ بيد علي وفاطمة وبيد الحسن والحسين، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيبا، فأقرا له بالخراج فقال النبي ﷺ والذي بعثني بالحق لو فعلا لمطر الوادي نارًا.

وناقش المؤلف بأسهاب عمن يقول بأن هذه الآية نزلت في غير أهل الببيت .

ناقش المؤلف آية المودة بين علماء المسلمين كافة وبين الشيعة في هذه الآية وان الآية جاءت بعد تبليغ الرسول رسالته على اكمل وجه وعانى من اجل هذا التبليغ اشد انواع التعذيب النفسي والجسمي وبهذا العمل العظيم هدى الناس واخرجهم من الظلمات الى النور، وصار للعرب قيمة وهيبة بين شعوب العالم بالإسلام والرسالة المحمدية بعد ان كانوا طعمة سائغة للأعداء وفلول يحارب بعضهم البعض من أجل لقمة العيش.

والرسول لم يطلب اجرا على ذلك بل طلب منهم شيئا واحدا هو مودة القربى وقد يسأل البعض كيف أن الرسول محمد ﷺ وهو افضل الانبياء والمرسلين يطلب اجرا في مقابل اداء رسالته في حين الأنبياء الاخرين وعلى لسان اكثرهم كانوا يقولون ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ.

والجواب: أن هذا الأجر لا ينصب في مصلحة النبي ﷺ الشخصية بل هو في صالح جميع المسلمين وفي مصلحة الدين أيضًا في مصلحة المسلمين إذا تقربوا وأخدوا من العترة الطاهرة لأنهم امتداد للنبي وحاملو مشعل الهداية والصلاح قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا «الفرقان: 57». والمعنى واضح في الآية إذا جمعنا هذه الآية وآية المودة وهو أجر رسالتى مودتكم لأهل بيتي وهم الهداة إلى سبيل الحق إذا تمسكتم بهم. وهذا مصداق جلي لقول الرسول ﷺ المتواتر «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض والآخر عترة أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما».

وعن علي لما نزل قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى قالوا هل رأيتم أعجب من هذا يسفه أحلامنا ويشتم آلهتنا ويرى قتلنا ويطمع أن نحبه فنزل ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ «سبأ: 47» أي ليس في ذلك أجر لأن منفعة المودة تعود إليكم وهو ثواب الله تعالى ورضاه.

وقد يسأل البعض إذا كان هذا هو المعنى المقصود من الآية فلماذا لم يأمرنا القرآن بالطاعة وهي كلمة أكثر صراحة ووضوحًا وأقرب لحسم الخلاف وبعيدًا عن التفسيرات المتكلفة؟!

والجواب على هذا السؤال يتلخص في أمرين:

الأول: لأن جذر الاختلاف بين الناس كامن في القلب، وأعظم أسبابه الحب والبغض فالكبر والحسد والعصبيات القبلية والقومية والسياسية والأحقاد المتوارثة والجهالات العقيمة هي وراء أكثر الاختلافات، وإذا لم تزك القلوب من آثارها فإن الخلاف لا يقضى عليه حتى في إطار الأهداف الواحدة والمصالح المشتركة. ومما يساهم في تصفية جزء كبير من أمراض القلب حب أولياء الله حيث يغمر نوره القلوب فيفيض حتى يشمل طائفة المحبين جميعًا. إن حب الرسول يجعلنا نحب كل تابعيه وحب أهل بيته يسري إلى محبيهم حتى يصبحوا حزبًا إلهيًا واحدًا.

الثاني: الطاعة الحقيقية هي لله، وأما المودة ففي القربى، نحن لا نطيع القيادة لذاتها أنى كانت، إنما نطيعها لأنها امتداد لولاية الله سبحانه وتعالى. والطاعة ليست إلا لله ولمن أمر الله وهذا يتناسب وأجر الرسالة، لأن أجر الرسول هو أن يستمر نهجه حيث كان يتطلع نحو بقاء خطه الرسالي في الأمة.

وهكذا كان فلم يحفظ من المسلمين إلا القليل هذه المودة لأهل البيت فقد تخلوا وأبعدوا وصيه علي عن الخلافة وتعرض سبطيه الحسن والحسين إلى الأذى والضيق حتى استشهد الأول بالسم وقُتل الثاني شهيدًا مضرجًا بدمه وأهل بيته على عرصة كربلاء.

الفصل الثاني

اما الفصل الثاني جاء في مصاديق الآيات النازلة في الإمام الحسين وهي حملته امه كرها يقول الدهنيم:

ومن مصاديق هذه الآية الشريفة حمل السيدة الزهراء بالحسين وإخبارها بأنه مقتول عند الولادة وقبلها قال الشيخ الشوشتري معنى قوله ﴿كَرْهًا هو الحزن والأسف عليه في حمله، ووضعه، حضانته، وإرضاعه، وتربيته، واللعب معه في طفولته وفي إدخال السرور عليه من قبل جدّه أو أبيه أو أمه وقد مات جدّه وهو حزين آسف عليه.

وأشارت الروايات الواردة عن أهل البيت عن هذا المعنى فعن أبي عبدالله الصادق قال: لما حملت فاطمة بالحسين جاء جبرائيل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن فاطمة ستلد غلامًا تقتله أمتك من بعدك، فلما حملت فاطمة بالحسين كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه، ثم قال أبو عبدالله : لم تر في الدنيا غلامًا تكرهه ولكنها كرهته لما علمت أنه سيقتل قال: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا.

ولرب سائل ينبري قائلاً: هذه الآية من سورة الأحقاف، وهذه السورة مكية فيكف نزلت بحق الحسين ؟ والحسين ولد في المدينة بعد الهجرة!

والجواب: أنه قد يتكرر نزول الآية على المسلمين تذكيرًا وموعظة وقد ينزل الشيء مرتين تعظيمًا لشأنه.

ولعل الكاتب يؤكد ما يقول من القرآن الكريم ثم يتبعه بالروايات وهنا يشير الى الكاتب الى بعض الروايات الصحيحة في هذا المجال:

النبي ينعى الحسين يوم ولادته

تشير الروايات من الفريقين أن النبي ﷺ أقام مآتمًا يوم ولادة الحسين وقام بلعن قاتليه بل تبرأ منهم وهم محرمون من شفاعته يوم القيامة نذكر بعضًا منها:

- عن أم الفضل بن الحارث أنها دخلت على رسول الله ﷺ: فقالت: يا رسول الله، إني رأيت حلمًا منكرًا الليلة، قال ما هو؟ قالت: إنه شديد، قال ماهو؟ قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري، فقال رسول الله ﷺ: رأيت خيرًا تلد فاطمة إن شاء الله غلامًا فيكون في حجرك فولدت فاطمة الحسين فكان في حجري كما قال رسول الله ﷺ فدخلت يومًا إلى رسول الله ﷺ فوضعته في حجره ثم حانت مني التفاته فإذا عينا رسول الله ﷺ تهريقان من الدموع قالت: فقلت يا نبي الله بأبي أنت وأمي ما لك؟ قال: أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا< فقلت: هذا! فقال: >نعم< وأتاني بتربة من تربته حمراء.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

2 - عن عائشة أو أم سلمة أن النبي قال لإحداهما: لقد دخل عليّ البيت ملك لم يدخل عليّ قبلها، فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء.

ونقل اليعقوبي في تاريخه أن أم سلمة أول صارخة صرخت في المدينة على الحسين عندما صارت القارورة التي أعطاها لها الرسول ﷺ دمًا عبيطًا.

ويعلق المؤلف على هذه الروايات بقوله: هذه الروايات هي بمثابة الرد على من يقول أن لا خصوصية لمقتل الحسين في عاشوراء وأن لامعنى لإقامة المآتم عليه في عشرة محرم الحرام! وحري بكل إنسان مسلم محب للرسول وأهل بيته أن يجعل أيام المحرم أيام حزن وعزاء لأن الأوامر المتواترة عن أئمة العترة الطاهرة تستوجب التعبد بترتيب آثار الحزن على الدوام، ولو ثبتت هذه الأوامر عن أئمة المذاهب الأربعة لعمل اللائمون بها، فلماذا إذاً يلوموننا بعد ثبوتها عن أئمة العترة وسفينة نجاة الأمة.

أما الآية الاخرى فهي لم نجعل له من قبل سميا وتشير الآية إلى ميزة من مميزات نبي الله يحيى وهي أن اسمه لم يسمَ به غيره من قبل، وهذه منة من الله وإكرام لزكريا إذ جعل اسم ابنه مبتكرًا، وللأسماء المبتكرة مزّية قوة تعريف المسمى لقلة الاشتراك، إذ لا يكون مثله كثيرًا مدّة وجوده، وله مزية اقتداء الناس به من بعد حين يسمون أبناءهم ذلك الاسم تيمّنًا واستجادة.

وفي الآية دلالة وإشارة على أن الله سبحانه وتعالى هو الذي سماه يحيى وهو قوله ﴿يا زكريا انا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا.

ومن مصاديق هذه الآية أيضا ان الإمام الحسين حيث شارك يحيى في أن اسمه مبتكرًا لم يسمَ به غيره، بل هو من الله وتشير الروايات الكثيرة عن أهل البيت اشتراك الكثير من الخصائص والميزات بين يحيى والحسين ويذكر المؤرخون وأرباب التاريخ أن الحسين كان يذكر قتل يحيى في كل منزل بقي فيه في طريقه إلى كربلاء ويذكر بالخصوص إهداء رأسه روى سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: خرجنا مع الحسين فما نزل منزلاً ولا ارتحل منه إلا ذكر يحيى بن زكريا وقتله، وقال يومًا، ومن هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.

ورد عن ابن عباس قال رسول ﷺ في قول الله عز وجل ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا قال ذلك يحيى وقرة عيني الحسين.

ثم ينتقل المؤلف بنا إلى آية أخرى وهي فما بكت عليهم السماء يقول: الآية الكريمة في صدد الحديث عن فرعون وقومه الذين أغرقهم الله في البحر بسبب كفرهم وطغيانهم وتنكيلهم ببني إسرائيل، والمعنى في الآية لما أتلفهم الله وأهلكم لم تبكِ عليهم السماء والأرض أي لم يحزن عليهم ولم ييأس على فراقهم بل كل استبشر بهلاكهم وتلفهم حتى السماء والأرض، لأنهم ما خلفوا من آثارهم إلا ما يسود وجوههم ويوجب عليهم اللعنة والمقت من العالمين.

واختلف المفسرون في معنى بكاء السماء والأرض وهل السماء والأرض تبكيان حقيقة أم ذلك من المجاز اللغوي؟

وقال بعض المفسرين بكاء السماء والأرض بكاء حقيقي واستدل على ذلك ببعض الأحاديث منها ما روي عن سعيد بن جبير قال: سُئل ابن عباس: هل تبكي السماء والأرض على أحد فقال: نعم إنه ليس أحد من الخلق إلا له باب في السماء يصعد فيه عمله وينزل عليه بابه الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه، وأما قوم فرعون فلم يكن لهم آثار صالحة، ولم يصعد إلى السماء منهم خير، فلم تبكِ عليهم السماء والأرض.

وأكبر مصداق لبكاء السماء والأرض بكائهما على قتل سيد الشهداء الإمام الحسين ولقد استفاضت الروايات في ذلك في كتب الحديث والتفسير والتاريخ عند أهل السنة قبل الشيعة وهذا يدل على عظم الجريمة التي ارتكبها هؤلاء في حق سبط النبي محمد حتى جعلت السماء تحمر وتقطر دمًا.

نقل السبط ابن الجوزي عن جده قال: لما كان الغصبان يحمر وجهه عند الغضب فليستدل بذلك على غضبه وأنه أمارة السخط، والحق سبحانه ليس بجسم فأظهر تأثير غضبه على من قتل الحسين بحمرة الأفق وذلك دليل على عظم الجناية.

وعن قرة بن خالد قال: ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي وحمرتها بكاؤها.

3 - وفي تفسير العز بن عبدالسلام قال: لما قُتل الحسين رضي الله تعالى عنه أحمرّت له آفاق السماء أربعة أشهر واحمرارها بكاؤها، أو يظهر منها ما يدل على الحزن والأسف.

ومن تجليات الغضب الإلهي على قتلة الامام الحسين انه ظهرت علائم الغضب الإلهي على هؤلاء الظالمين عند تصميمهم على قتل ريحانة المصطفى ﷺ والسبب في ذلك كما يبدو دعاء الإمام الحسين على هؤلاء ولاريب أن دعاءه مستجاب وهو الإمام المعصوم والثقل الأكبر على هذه الأرض.

وقال ابن كثير الدمشقي: وأما روى من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح فإنه قل من نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة وعاهة في الدنيا فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض، وأكثرهم أصابهم الجنون.