آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 3:54 م

سلوك استهلاكي

ناصر موسى الحسين صحيفة الوسيل القطرية

في عام 1891 تم اختراع أول سخَّان مياه تجاري يعمل بالطاقة الشمسية، وما زلنا نحن، بعد مضي أكثر من 120 سنة، نراوح مكاننا نجر رجلاً ونؤخر أخرى في الاستفادة من الطاقة الشمسية، ومن كل جديد «ما عدا جديد الموضة طبعاً». الطاقة الشمسية ليست سوى نموذجاً لتعاطينا السلبي مع العلوم والتقنيات المتقدمة، وعدم الانتفاع منها حفاظا على البيئة، أو على الموارد المالية.

والواقع المرير هو أننا مترددون في كل الحقول التي تساهم في تنمية مجتمعاتنا، ومن بينها ما يتصل بأهم الاحتياجات وفي مقدمتها الصحة والتعليم والسكن، فهذه المحددات الضرورية والمعايير الحقيقية للنمو والمتطلبات الأساسية للحياة لم تحظ باهتمام كافٍ لا من حيث بناها التحتية ولا من حيث متابعة التطورات والتقنيات والأساليب الحديثة التي تساهم في تطويرها أو تقليل تكاليفها، ومن نافل القول إن تقليل التكاليف يعد من مؤشرات الجودة أيضًا.

يبدو أن السلوك الاستهلاكي الذي يتسم به المجتمع الخليجي لم يأت هكذا بالمصادفة، فهذه «الخصوصية الخليجية» تدحرجت من الأعلى إلى الأسفل، بمعنى أن الوزارات نفسها - التي مرت بمرحلة الطفرة - لم تقاوم الرغبة الجامحة في الاستهلاك، ففي المرحلة الماضية كانت السيولة المالية المريحة أحد المعوقات «النفسية» في البحث عن أساليب منخفضة التكاليف، ومن المفارقات المدهشة أن سخان المياه الذي كان يعمل بالطاقة الشمسية والذي وجد رواجًا في الولايات المتحدة الأمريكية منذ ابتكاره كمنتج تجاري حتى عشرينيات القرن العشرين قد تراجع استخدامه لاحقاً بسبب انخفاض أسعار الوقود التقليدي.

قبل أيام بشرتنا الصحف أن وزارة الإسكان طرحت 5 آلاف وحدة سكنية من مشروع «إسكان 3» بمنطقة الدمام، بتكلفة 25 مليار ريال، وهي خطوة طيبة إذ تساهم في توفير المسكن لما يقارب 25 ألف فرد.

غير أن المبلغ المذكور ملتبس، فبينما يشير الخبر إلى أن تكلفة الوحدة السكنية هو 500 ألف ريال، يقفز إجمالي المشروع بالتكلفة إلى 5 ملايين للوحدة الواحدة.

وإلى أن تنبري الوزارة لتوضح الالتباس، سيظل الرقم مفتقرًا لأي تفسير منطقي، وسنحسبها - بكل حسن نية - واحدة من أشكال الفوضى أو أخطاء الإدارة الهندسية.

ما يهمنا هنا هو أن الوحدة السكنية التي كانت تكلفنا قبل 5 سنوات 500 ألف يجب أن لا تتعدى تكلفتها نصف هذا المبلغ في الوقت الحاضر.

لماذا؟ ببساطة لأننا يجب أن نبحث لنا عن طريقة أخرى تحفظ مواردنا المالية، فمشاريع التشييد والبناء مطواعة وتحتمل أساليب كالتي يستخدمها باقي العالم، حيث لا تكلفهم الوحدة السكنية ربع تكلفتها عندنا.

كليات العمارة تمتلك في أراشيفها دراسات وأبحاث مهملة، بعضها يعالج مشكلة الأسلوب التقليدي في البناء الذي يستهلك الكثير من الحديد والخرسانة بشكل مبالغ فيه.

وإذا ما قررت وزارة الإسكان الاستفادة من هذه الدراسات حينها ستكون قد وفرت على الميزانية مبالغ ضخمة، وساهمت في تنفيذ برنامج مسكن لكل مواطن.

أما إذا تعاملت مع الواقع وكأننا في مرحلة الوفرة والطفرة النفطية فهذه كارثة.

والخلاصة:

ينبغي أن تدفعنا الأزمة الاقتصادية إلى اقتراح حلول وابتكار أساليب في جميع مفاصل حياتنا تمكننا من مواجهة المرحلة وتحدياتها، يجب أن لا ننساق مع الشعور الكاذب بأن الأزمة ستنكشف قريباً، وأن نتعامل بمسؤولية مع الوضع، وهذا يتطلب خطوات نوعية ليست كفرض رسوم القيمة المضافة، أو زيادة رسوم الماء والكهرباء، وربما كان مناسباً تكليف إحدى الأجهزة الرسمية التي تمتلك قراراً، بالبحث في توفير المصاريف قبل البحث في جيب المواطن.