آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 11:28 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الثائر كرومويل لم تسقط الملكية تماثيله

باقر علي الشماسي *

هذا الثائر الدموي، قد ثار ضد الملكية في بلده بريطانيا وقتل الملك تشالس - 1649م - وكان عضوا برلمانيا، ولكنه لم يمثل مجلس البرلمان في ثورته حيث أن مجالس البرلمانات في العالم المتحضر تسودها القوانين وصناديق الانتخابات وليس العنف، ألا أن الشعب البريطاني قد أقام له تماثيلاً في بعض المدن البريطانية، وذلك كما يبدو تكريماً لهذا الثائر من شعبه، غير أن ثورته كان عمرها قصيراً «لأسباب نجهلها» وبعد فشل هذا النهج الدموي عادت الملكية إلى حاضنتها وعشها المتوارث وهو «العرش» ومع انتصار الملكية ضد هذا الثائر لم تسقط تماثيله على الرغم من أنه خلع الملك وقتله مما يعطي دلالة قوية على العقلية الحضارية الراقية للأسرة الملكية البريطانية وأمثالها في أوروبا، إذ إنها عقليات تتسم بروح وآفاق التسامح واحترام أدمية الإنسان وحقوقه المشروعة مهما كان لونه وعرقه ودينه وقوميته ومذهبه و.... إلخ.

بصرف النظر عما فعلته الحكومات البريطانية المتعاقبة في الشعوب الأخرى من خزي وخصوصاً عند «انتدابها» على فلسطين عام 1916م بموجب اتفاقية «سايكس - بيكو العدوانية» فذلك له حديث آخر، وربما يصح أن نختزل ذلك وهو: سيطرة طبقة أصحاب مصانع الأسلحة من الخفيفة إلى أثقلها وأكثرها فتكاً وتدميرا هذا عدا المصانع المدنية المتنوعة الأخرى،،، هؤلاء هم الأكثرية الذين يأخذون حصة الأسد من مقاعد البرلمان بطرق ما وهؤلاء هم الصقور البريطانيين، كما وأنهم اعتى وألد أعداء الحرية والديمقراطية للشعوب الأخرى،،

ان هذه المبادئ المتمسك بها الشعب البريطاني ومنها حكم المؤسسات فيها لو دققنا في روافدها لوجدنا العديد منها مستوحاة من تعاليم وتسامح المسيحية ومن رسالة الإسلام وأخلاقياته وقيمه السامية، بينما نجد غالبية الشعوب الإسلامية تكتوي بنار بعض الاجتهادات والفتاوى الغير منضبطة أخلاقيا ودينيا وإنسانيا بل تصب في مصلحة الحكومات المستبدة الظالمة لكونها اجتهادات وفتاوى مزورة على الدين الإسلامي الحنيف وعلى شريعته السمحاء كإشعال الفتن والكراهية بين الأديان والمذاهب الإسلامية، وبين القوميات والملل والأعراق، وشغلهم الشاغل هو ترويج وتسويق الفتنة وتضليل الشارع العربي والإسلامي وتهميش قضاياه وحقوقه،، وهناك مشهد تاريخي آخر للشعب البريطاني قد سجله له التاريخ: وهو حين صمد هذا الشعب أمام غزو النازية لبريطانيا في خلال الحرب العالمية الثانية بزعامة رئيس وزرائه ونستون تشرشل: حين صمد صمود الأبطال الجبارين في وجه الغارات الجوية التي شكلت في كل غارة وكل طلعة باعداد هائلة من الطائرات غير مسبوقة. وقد انتصر من خلال صموده.

وهذا المشهد التاريخي الغير مسبوق أراد تشرشل أن يجيره لشخصه بعد أن خمدت أصوات الرصاص والدمار وخرست طبول الحرب وأزف وقت البناء والتنمية رشح تشرشل نفسه كرئيس لوزراء بريطانيا مرة أخرى مستثمراً هذا الانتصار، عندئذ وقف الشعب في وجهه وقال له كلا - لن نرشحك لهذا المنصب مرة أخرى لكي لا تصاب بلوثة عقدة غرور النصر ومن ثم قد تصبح دكتاتوراً صغيراً ثم كبيراً.. هذه القراءة التاريخية المتواضعة جداً للشعب البريطاني في تلك الحقبتين التاريخيتين 1649م وفي خلال الحرب العالمية الثانية 1939م - 1945م هذه القراءة وغيرها من تجارب الشعوب التي عانت حروباً لم تبق ولم تذر، كشعوب أوروبا والإتحاد السوفيتي سابقاً - واليابان نراها اليوم عملاقا اقتصادياً وصناعياً، كما وتتماهى أيضاً مع منطق التحضر واحترام محصلة صناديق الانتخابات والذي يكاد أن يرقى إلى التقديس «إن جاز التعبير» كل ذلك ألا يستحق هذا الزخم الأخلاقي أن تقف الحكومات «الأمنية» حياله وقفة تأمل وإعادة نظر مع شعوبها وبوقفة عقلانية معاصرة، لتلتحق بقطار العصرنة والتحضر من أجل ديمومة أنظمتهم؟!

 

كاتب وصحفي- الشرقية - القطيف