آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 2:01 ص

الخلاف حول التطبير.. والفتنة المحدقة

أيمن رجاء النخلي *

لقد تعمدت الحديث عن هذا الموضوع بعد انتهاء موسم عاشوراء وزيارة الأربعين، لهدوء الأنفس، ولأنه لايمكن معالجة المسائل الحساسة عندما تكون العواطف جياشة وعارمة. فالعواطف غالباً ما تشوش العقل وتطغى عليه، بل وتضله وتبعده عن الحكمة والصواب.

وعند معالجة القضايا الحساسة والعاطفية أو التي تشكل فتنة وإثارة لابد من البحث عن الحكمة وليس مناقشة الحلية والحرمة أو الصواب والخطأ فقط، لأن كل طرف يملك ما يعتقده صحيح لتعزيز رأيه، فالعقل لا يعمل بالشكل المطلوب بقدر مالعواطف تتحكم بالقرارات. بل قد لا يكون خطأ وصواب، بل صواب وأصوب. لذلك القضية ليست الصواب والخطأ، بل الحكمة وما ترشد إليه حسب الواقع المعاش والظروف الزمانية. وفي القضايا الحساسة والتي يراد منها إثارة الفتنة، لابد أن يكون صوت الحكماء أعلى من صوت الجهال أو العاطفيين البسطاء.

هل يشكل التطبير خطراً

هل الخطر من التطبير في توهين المذهب والإساءة لشعائر الإمام الحسين وفي توفير مادة سائغة للإعلام الغربي لإظهار مذهب أهل البيت على أنه مذهب الخرافات الغابرة والطقوس الرجعية، وأنه بعيد كل البعد عن الوعي والفكر والحضارة، واختزال كل الشعائر في هذه الممارسات.

أو أن الخطر في تقديم التنازلات أمام الضغوط الخارجية شيئاً فشيئاً لإرضاء الخصوم ووسائل الإعلام والمخالفين. وإن تقديم التنازلات الواحد تلو الآخر ينتهي بالضعف واضمحلال الشعائر والتنازل عنها كلها. واذا كانت الممارسات كالتطبير والتطيين لم تصل الى الحرمة أو أنها لإظهار الجزع على الإمام الحسين فلماذا نهتم بآراء الآخرين. بل إن شعائر أخرى كاللطم مثلا لا تملك أدلة شرعية في كونها شعائر، فلماذا لا نتنازل عنها أيضاً.

ومالمانع أن تكون هناك حرية في الممارسات الفردية، فهل هناك قانون يمنع المشي على الجمر، أو تطيين الإنسان لنفسه، ومالفرق إذا مارسناها في عاشوراء أو غير عاشوراء. وهل لابد أن نكون أكثر حرية في عدم ممارسة الوصاية والشمولية على أفعال الناس، فالحسين ثار من أجل الحرية.

وإذا كان هناك فتاوى مشروطة تحرم التطبير، فهناك مراجع يدعون له ويشجعون عليه. ولابد من الحرية في هذه المسألة لأن كل طرف يتبع فتوى مرجعه، ولا يحق لنا منع المكلف من اتباع فتوى مرجعيته. بل علينا إحترام آراء المراجع مهما اختلفت حتى لا نهون من قيمة ومكانة المرجعية.

إذا القضية شائكة نوعاً، وكل طرف يملك ما يحاجج به الطرف الآخر، ويريد من الطرف الآخر أن يتنازل له، كما يظن أنه الحق.

الخطر الحقيقي.. في الفتنة

الخطر الحقيقي ليس في ممارسة التطبير وكونه مادة لتوهين المذهب، وليس الخطر من الذين يرفضون التطبير أويتنازلون عن هذه الشعيرة أو تلك. إن الخطر الحقيقي هو في ترويج الفتنة حول التطبير والشعائر، وهذا ما يهدف له الإعلام الغربي. إن هدف الإعلام الغربي ليس توهين وتشويه الشعائر بإظهار التطبير، بل إن الهدف الحقيقي هو إثارة الفتنة بين مكونات المجتمع الشيعي، ودق ناقوس الفرقة بينهم. إن الخلاف والنزاع حول مسائل قد تبدوا تافهة فقهياً أو ليست ذات بال، هو أشد من الاختلاف حولها فكرياً أو فقهياً. بمعنى آخر أن الفتنة مدخل للشيطان لزرع الفرقة والخلافات ومن ثم الضلال والوهن والضعف.

كيف نتعامل مع الاختلافات

الصواب هو في التعاطي مع الموضوع بحكمة بعيداً عن العواطف. لابد من احترام من يطبر أو يطين مثلاً، وأن أرى نيته الحقيقية في حب الإمام الحسين . وكذلك على المطبرين أن يقدروا حرص الطرف الآخر على الشعائر، ومواجهة الفتن التي تحاك حولها. إذاً على الطرفين أن يحترموا آراء الطرف الآخر، ويتوقفوا عن المناكفات هنا وهناك. علينا أن ندرك أن الخطر الحقيقي هو في الفتنة التي يراد ترويجها، وفي الخلاف والنزاع الذي يراد أن نقع في. فعلينا أن لا نحاول أن نمنع الفتنة من حيث نقع فيها عن طريق التطرف في التعامل «الا في الفتنة سقطوا».

ومن الخطأ أن نعتمد على وسائل الإعلام الأجنبية في إظهار شعائر عاشوراء، بل علينا أن نملك مثل هذه الوسائل الإعلامية المؤثرة، وأن نظهر شعائر الإمام كما نشاء لأن ذلك أوجب علينا. فوسائل الإعلام لن تكون أبداً محايدة، ولن تظهر ما يعزز دور المسلمين، بل سوف تلبس الحق بالباطل دائماً لتشويه صورة الإسلام. وإذا كنا لا نملك مثل وسائل الإعلام هذه، علينا أن نقدم مواد إعلامية وإخبارية وثقافية بجميع لغات العالم ولوسائل الإعلام العالمية.

لابد من تناول الإختلافات بالحكمة والتروي والحوار الفكري الراقي بعيداً عن المهاترات والتطرف والعنف الفكري أو الجسدي وسياسة الإلغاء والإقصاء التي شاعت مؤخراً، وللأسف لا يمكن إنكار أن البعض يعيش التطرف والعاطفية في معالجة الخلافات.

كشف العملاء مع عدم إتهام التيارات

الإختلاف في الرأي حول الشعائر، أو حول بعض المسائل كالولاية التكوينية أو غيرها يجب أن لا يدعونا نحو التخندق والتحزب والإحتراب واتهام التيارات الدينية. فالاحتراب والتعصب هو الجهل، واتهام التيارات هو مقدمة للفرقة والإنقسام، بل هو إقصاء لجميع الأراء المشتركة لحساب رأي واحد مختلف عليه. من الصعب تخوين التيارات لأن ذلك ينتج عنه صراعات وخلافات إجتماعية لا يمكن معالجتها، أو تجاوزها بسهولة.

علينا من جهة كشف مخططات الأعداء، ورفع مستوى الوعي عند العامة. وبدلاً من أن ننشغل في الخلافات حول المسائل الفكرية، علينا أن نتبصّر ونبصّر الناس حول من يروج لهذه الخلافات، وما هي أهدافهم. ومن جهة أخرى علينا أن نعلّم الناس كيفية التعامل بحكمة فيما بينهم، ونبذ الفرقة والتعاطي بجهل مع هذه الأمور، وكيفية مواجهة هذه الفتن ومن يروج لها. ضعف بصيرتنا هو ما يجعلنا فريسة سهلة لمخططات الأعداء.

وإذا كان هناك عملاء يروجون للفتنة، علينا مواجهتهم وانتقادهم فكرياً وإعلامياً بكل قوة وجسارة، ولكن في نفس الوقت يجب أن لا نحمل التيارات التي ينتمون لها تبعات أفعالهم. فمثلاً، لابد من مواجهة الفتنة التي يروج لها المدعو ”ياسر الحبيب“، وكشف المخططات التي يسعى لها، ومحاصرته فكرياً. ولكن من جهة أخرى علينا عدم تحميل التيار الشيرازي تبعات ما يقوم به ”الحبيب“. لأنه من الخطأ تخوين تيار كامل، وإقصائه، وإقصاء مفكريه وعلمائه وأتباعه. بل لابد من مواجهة العملاء أو المخربين أو الجهال في أي تيار كانوا، بعيداً عن إقصاء التيارات حتى لا نروج للفرقة والفتنة التي يراد انتشارها بين الناس.

ومن جهة أخرى علينا أن نرتقي بالوعي والثقافة والبصيرة لدى العامة، وبدلاً من أن ينشغلوا في مربعات الخلافات، يتنافسوا على الأفكار المتقدمة والمتواكبة مع الحضارة لكي ينافسوا الأمم الأخرى.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 3
1
ابن البلد
[ QATIF ]: 1 / 12 / 2016م - 1:02 م
الاستاذ ايمن ..


شكرا جميلا ... اشكرك جميل الشكر وليس جزيلة فقط ... احسنت واجدت وابدع قلمك وزاد الله من امثالك

فعلا نحن بحاجة للحكمة والوحدة لم يكن من الضروري حنى كتابة اي اسم في نهاية المقال حتى لا يتحسس احد .. يجب ان نضيف التعقل والبديهة لباقي النقاط اللتي ذكرتها... وشكراً مره اخرى
2
HassanNeissi
[ ايران الاهواز ]: 1 / 12 / 2016م - 8:42 م
بسم الله الرحمن الرحيم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقاله رائعة جدا حيث تم التركيز علي نقطه مهمه و هي قبول الآخر و حرية التعبير و عدم فتح طريق للأعداء لنشر الفتنه في الاوساط الدينيه و هو المطلوب في مثل زماننا ،لكن للاسف الشديد في آخر المقال سقط الكاتب في ما يسعي الي علاجه حيث ذكر شيخ ياسر الحبيب الذي هو علي اقل تقدير رأي مطروح في الاوساط الدينيه ناهيك عن تأييده من قبل مراجع التقليد العدول ،حسب هدف الكاتب للمقال لماذا لا نحترم رأي الشيخ ياسر الحبيب المستند علي الدليل و البرهان.
قال الكاتب:(فمثلاً، لابد من مواجهة الفتنة التي يروج لها المدعو ”ياسر الحبيب“، وكشف المخططات التي يسعى لها، ومحاصرته فكرياً.)
فعلينا أن لا نحاول أن نمنع الفتنة من حيث نقع.... «الا في الفتنة سقطوا««
نسألكم التدبر
3
اسماعيل
[ الدمام ]: 4 / 12 / 2016م - 11:52 ص
موضوع عقيم لايستحق ان بكتب عنة
كاتب من المدينة المنورة