آخر تحديث: 28 / 3 / 2020م - 5:09 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإنسان بين الحق والتكليف

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

إن المفارقات كبيرة فاحشة بين النسخة البشرية الوضعية الغربية والنسخة الدينية، وبالذات الإسلامية لحقوق الانسان بعد التشريع والتطبيق. من اهم المفارقات المؤلمة ان المنجز التشريعي الغربي هو نتيجة مجهودٍ علمي عميق ولد من رحم صراع فكري وحضاري.

وتعدّ من اهم الانجازات البشرية في الدفع بالإنسانية الى مرحلةٍ من النضج والبلوغ في العلاقات الانسانية بينما المنتج الإسلامي التشريعي لحقوق الانسان الذي يربض على ميراثٍ عميق من النصوص المقدّسة للشريعة في أبواب الفقه المختلفة. والاشد ألمًا ان حجم ما انتجته المجتمعات الإسلامية من قوانين جزائية تجرّم المتجاوز اقرب للعدم من الضآلة.. هذا الواقع التشريعي الإسلامي المحزن يدفع المجتمعات الاسلامية وبقوة جذب هائلة نحو الوفرة والعمق التشريعي الوضعي الغربي الذي يخلق كل هذه التناقضات بين مفهوم حقوق الإنسان الرائج ومفاهيم التكاليف الدينية الإسلامية.

ومن هنا تتضاعف المشكلة بين ندرة تشريع ذاتي وقدرة ذاتية راشدة في التفكيك بين المنسجم والمتناقض من التكاليف الدينية وحقوق الانسان، كما يُشير الى ذلك المفكر عبدالكريم سروش في مقاله «حقوق الإنسان والتكاليف الدينية» «إن المجتمع الديني لابد ان يمارس الحساسية تجاه قضاياه الداخلية ولابد ان يكون بنفس القدر من هذه الحساسية تجاه القضايا خارج الدائرة الدائرة الدينية، كما ذكرت مرارًا. قد يكون إزالة التنافض والتضاد بين هذين الاتجاهين بإغماض أعيننا عن مفاهيم الدين وتعاليم النبي والاتجاه نحو مخرجات العقل البشري او التمسك بناصية الدين وإهمال السلم المرتبط بخارج الدائرة الدينية عند ذلك لا حَظّ لنا إلا الانحطاط كمن علق على غصنٍ قطعة بردي.

ان المفكر المتنوّر والبصير هو ذلك الذي يوازن بين مفاهيمه وإدراكاته لخارج الدائرة الدينية وتلك المتعلقة بداخل الدائرة الدينية وألا يجعل احدهما فداءً للآخر». ان الضمان الذي كتب لحقوق الإنسان في نسخته الوضعية الاستمرار الناجح للتجربة في التشريع القانوني ينبع من تشابك مؤسساته السياسية والتشريعية بالمؤسسة الاكاديمية والدوائر المعرفية والفكرية وغياب هذا النسيج بين هذه المؤسسات او غياب إحداها في عالمنا الإسلامي لا يمكن الاستهانة به لتجاوز إشكالية التضاد بين الوضعي والديني.