آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 3:25 م  بتوقيت مكة المكرمة

واحتنا فرحانة

زكي أبو السعود * صحيفة الشرق السعودية

من خصائص المدن العريقة هي قدرتها على استحداث الفرح، ففي الفرح تنبثق الآمال وتزهر، وترنو نحو الغد باحثة وساعية نحو تدفق الماء في الغصن الذي جف وتيبس. هذه المدن أدركت بحسها الذي تراكم عبر طبقات الزمن أن التلحف بالحزن لا يبعث الحياة، ولن يعيد إليها الماضي مهما كان تليدا. فكان يوم الفرح عيدا، مثلما العيد هو يوم للفرح، يُرحب بقدومه ويستعد إليه الكبير قبل الصغير، رغم أن مظاهره يتوشح بها الصغار قبل الكبار.

وإذ جعل الله للمسلمين عيدين في السنة، إلا أن هناك أياما تملك من الرمزية ما يجعلها أعيادا غير دينية. وقد ارتبطت مظاهر الاحتفال بالأعياد بالموروث الشعبي أو الفلكلور، بحيث أصبحت هذه المظاهر جزءا من هذا الفلكلور. ورغم أن غبار الزمن قد تراكم فوق الكثير من فعاليات الفلكلور، ليس لدى شعبنا فحسب بل لدى شعوب أخرى، إلا أن هناك مساعي حثيثة يشترك فيها العديد من المنظمات والمؤسسات المحلية والدولية المعنية والمهتمة بشؤون الثقافة وتاريخ الشعوب، لإحياء هذا التراث المحلي الذي أمسى تراثا إنسانيا تملكه البشرية جمعاء. والقطيف التي كانت واحة مزدهرة ويانعة بأشجارها المثمرة، ومن ذلك اكتسبت اسمها، يعود تاريخها إلى 6000 سنة ق. م.، ولأنها مدينة ساحلية وميناء معروف منذ القدم فإنها تملك من المخزون التراثي الفلكلوري، ما يجعل من مساعي إحياء ما يمكن إحياؤه والمحافظة عليه، يصب في تلك المساعي المشار إليها أعلاه. وهو ما يقتضي دعما وإسنادا وتبنيا واضحا من الجهات الرسمية وخاصة المعنية بشؤون الثقافة والتراث. ومنذ ثلاث سنوات وهناك نخبة من أبناء وبنات هذه الواحة يقيمون مهرجانا سنويا للاحتفال بعيد الفطر المبارك، تحت عنوان “واحتنا فرحانة”، يسعون فيه لتأسيسه كمناسبة للفرح، والاستفادة منه لإحياء بعض من الفلكلور المندثر. وهم في ذلك يعتبرونه امتدادا واستمرارية لمهرجان ” الدوخلة” الذي يقام سنويا في أيام عيد الأضحى المبارك، على سواحل جزيرة تاروت منذ سبع سنوات. وفي كلا المهرجانين يظهر مدى الجهد الكبير والعمل الفريقي الذي يبذله القائمون على هاتين الفعاليتين اللتين بدأتا في تثبيت أنفسهما كمناسبات ثقافية وطنية ترسخ وحدة ما يملكه هذا الوطن من تراث عريق مشترك. وبالرغم مما رافق هذا العام من بعض الصعوبات المتمثلة في القلق المهيمن على الأهالي جراء السرقات والأعمال الإجرامية التي يقوم بها مجموعة منبوذة من اللصوص المجرمين، ومن سعي البعض لمقاطعة مثل هذا النوع من مهرجانات الفرح من منظار فكري تحت يافطات دينية، يبوبوها في خانة الاختلاط وعزف الموسيقى، وكذلك شحة مصادر التموين «حيث يعتمد على بعض الداعمين من فاعلي الخير وعلى المبادرات الفردية في توفيرها»، إلا أنه لا يسعك إلا أن تنحني تقديرا لتلك السواعد التي شيدت مباني المهرجان، وللعقول التي أبدعت وابتكرت أفكار فعالياته، وللعزيمة والإصرارعلى إنجاز العمل وافتتاحه في وقته المحدد، وعلى اقتطاع جزء كبير من أوقاتهم الخاصة تطوعا، لمتابعة العمل وإيصال رسالة المهرجان.

بكالوريوس في القانون الدولي، ودبلوم علوم مصرفية. مصرفي سابق، تولى عدة مناصب تنفيذية، آخرها المدير العام الإقليمي…