آخر تحديث: 1 / 4 / 2020م - 1:24 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الباقي والذاهب من حوار المذاهب

عبد الرحمن الوابلي صحيفة الوطن السعودية

الحوار لغة المتحضرين، والشقاق وتضييق الخناق هرج ومرج المتخلفين، فهذا يحاور إذاً هذا متحضر، وذاك يصادر حق غيره في الاختلاف إذاً ذاك متخلف. فالمتخلف عدو نفسه قبل أن يكون عدو غيره، والمتحضر صديق غيره، قبل أن يكون صديق نفسه، كما يقول المثل العربي: «عدو عاقل خير من صديق جاهل». التخلف هو حالة نفسية وذهنية، تحتاج إلى معالجة نفسية قبل أن تكون بحاجة إلى معالجة معرفية، فكم من حملة شهادات عليا يزرعون وينشرون بضجيجهم التخلف ويسوقون له، وكم من أميين ينشرون الحب والتقدم والسلام، بكل حب وحكمة وروية.

الحوار ليس مطلوبا لذاته، وإنما لنتائجه ومخرجاته، فالإقصاء والدعوة إلى التشظي هما حالتا حوار كذلك، ولكنهما حالتا حوار سلبية؛ فالحوار الحضاري يكون عن طريق تجلي الفعل لا تحلي القول. فالمحسوب على الواقع هو الأفعال، والأقوال، مهما كانت معسولة، هي ما هو محسوب على الخيال، حتى يتم إنزالها أفعالا على الواقع. وأستطيع أن أقول: «الفعل أصدق أنباء من الكتب، في حده الحد، بين الجد واللعب».

مركز الحوار بين المذاهب يجب أن يركز على سن القوانين الفعالة، لتجريم الطائفية، وإنزال أقصى العقوبات بمن يسعى لنشر وبائها بين أصحاب المذاهب الإسلامية، ومطالبة الدول الأعضاء بالمركز بتطبيق القوانين العقابيةفي الخمسينيات الميلادية من القرن الماضي، عرضت مجموعة من علماء المذاهب الإسلامية المخلصين والحريصين على الوحدة الإسلامية، على الرئيس المصري آنذاك جمال عبدالناصر، فكرة إنشاء مركز «التقريب بين المذاهب الإسلامية». وتم إنشاء المركز في جامعة الأزهر وصرفت عليه الميزانيات وعقدت فيه المؤتمرات والندوات، وأصدرت منه الكتب والنشرات؛ ومع ذلك فمساحة التباعد بين المذاهب الإسلامية، أوسع منها الآن من يوم إنشاء المركز، إذاً فأين يكمن الخلل؟ أعتقد بأن الخلل يكمن في حصر الحوار والتقريب بين المذاهب الإسلامية في المركز وبين العلماء والمفكرين، والذين هم ليسوا بحاجة أصلا لذلك؛ ولم تنزل النتائج التي توصلوا إليها كأفعال ملموسة إلى الناس العاديين على الأرض. ومن هنا لا نريد أن تصل نتائج مركز الحوار بين المذاهب الإسلامية الذي طرحه خادم الحرمين الشريفين، الملك عبدالله بن عبدالعزيز، بكل حرص وصدق ومحبة وتحضر، إلى ما وصلت إليه نتائج سابقه، مركز التقريب بين المذاهب الإسلامية.

بعض الأفكار مع نبل مقاصدها وبريق مراصدها، منطقها لا يستقيم رغم حسن وسلامة واستقامة مقاصد القائمين عليها. فمثلا، مركز التقريب بين المذاهب الإسلامية في مصر بني على منطق غير واقعي، مع حاجة الواقع إليه. أولا لكون المذاهب الإسلامية قريبة جدا من بعضها، كونها كلها تنتمي لدين واحد، وكل منها ينهل تعاليمه من «القرآن والسنة» وكلها تصلي تجاه قبلة واحدة. وعمر المذاهب الإسلامية أكثر من 1400 سنة، وهي متعايشة بسلام، معظم تاريخها، باستثناء بعض الفترات الشاذة، التي لا تحسب على المذاهب ولكن على السياسة. أي أن القاعدة بين المذاهب الإسلامية هي التعايش السلمي، والنزاعات استثناءات لو جمعناها لشكلت أقل من 1% من تاريخها. فالاختلاف بينها هو في الفروع الاجتهادية المتغيرة وليس في الأصول اليقينية والثابتة من الدين الإسلامي، ولو تقاربت المذاهب الإسلامية أكثر مما هي عليه لأصبحت مذهبا واحدا، وهذا لم يكن ولن يكون، وإلا ألغى ميزة الثراء داخل الدين الواحد.

الاختلاف بين الناس حكمة من حكم الله تعالى في خلقه، قال تعالى: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين» وقال: «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة». ولذلك فقد كفل الله حرية المعتقد لخلقه، قال تعالى: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر». إذا ضمن الله حرية الإيمان والكفر لخلقه؛ فمن باب أولى أن يضمن خلقه لبعضهم حرية الاختلاف داخل المعتقد والدين الواحد، خاصة ممن نصبوا أنفسهم حماة للدين ورعاة للمعتقد. ولكن التعايش في ظل الاختلاف مهمة صعبة، لا يجيدها غير المؤمنين المتحضرين. فالله تعالى ضمن حرية الاختلاف لخلقه وفرض القواعد التي يتأسس وينبني عليها الاختلاف، ليعم الأمن والسلام بين الخلق، ويتم إعمار الأرض، التي هي من أنبل حكم الله في جعله للإنسان خليفة له على الأرض: «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله، فيسبوا الله عدواً بغير علم».

إذاً فالاختلاف والتعايش السلمي بين الشعوب، هما كفالة لإعمار الأرض، تسليماً وإنفاذاً لحكمة الله من خلق خلقه، فما بالنا عندما نتحدث عن وطن واحد وكل من فيه هم من أتباع دين واحد. ولكن المشكلة لا تكمن هنا، بالمؤمنين الصادقين المتحضرين الوطنيين، وإنما تكمن في المصابين بلوثة وباء الطائفية والعنصرية. فالعنصرية والطائفية هما عرضان لمرض واحد، لا مرضان منفصلان. أي لن تجد عنصريا ليس بطائفي ولن تجد طائفيا ليس بعنصري. الطائفية هي نتاج مرض نفسي وتشوه ذهني، مدمنها لا يبحث عن الخلاص منها وإنما عمن يؤججها ويسعرها داخله وداخل كل من هم حوله. الطائفي لا يبحث عمن يخلصه بالدين أو العقل والمنطق من طائفيته، وإنما يبحث عمن ينشرها ويعممها ويجعل منها السائد في محيطه لا الشذوذ؛ حيث هو لا يعترف بكونه شذوذا ويهرب من ذلك ولو بمحاولاته المستميتة في ليّ المنطق وتزوير التاريخ، ونشر الأكاذيب، ولو باسم الدين وتسفيه العقلاء والطعن في ذوي الذمم والمخلصين.

الطائفية كما أشرت، هي حالة مرضية نفسية وتشوه ذهني معتوه، لا تعالج بالحوار والمعرفة، كحالة معرفية، وإنما تعالج كحالة وبائية، وذلك بحصارها وإيقاف انتشارها، حتى ينتهي المصابون بها، ويقضى عليها كوباء، مثلها مثل بعض الأوبئة التي عبثت بالإنسان وبجهد الإنسان اندثرت. إذاً فمركز الحوار بين المذاهب الإسلامية، الذي دعا إلى إنشائه خادم الحرمين الشريفين، خلال مؤتمر قمة التضامن الإسلامي، في مكة المكرمة، يجب ألا يأخذ الطائفيين باعتباره، حيث هم أول من أصيب بالصدمة من فكرة تأسيس مثل هذا المركز الإسلامي الحضاري، الذي سوف يفوت عليهم فرصة العبث المرضي بكيان الأمة الإسلامية، بشكل عام وداخل كل وطن من أوطان المسلمين، بشكل خاص.

ويجب أن يركز المركز على سن القوانين الفعالة، لتجريم الطائفية، وإنزال أقصى العقوبات بمن يسعى لنشر وبائها بين أصحاب المذاهب الإسلامية، بشكل عام، وداخل كل مجتمع بشكل خاص، وهكذا يكون الحوار الإيجابي الفعال، وهو العلاج المجرب لمكافحة الأوبئة النفسية والعلل الذهنية مثل العنصرية والطائفية في المجتمعات المتحضرة. ومطالبة الدول الأعضاء بالمركز بتطبيق القوانين العقابية التي يتوصل إليها المركز، وبدون أدنى تسويف أو تأجيل، وجعلها جزءا من المقررات الدراسية في الدول الإسلامية، أي إنزال مخرجات حوارات المركز على الأرض وجعلها واقعا معاشا وملموسا. الطائفي هو إنسان متهور ومندفع، ولذلك لا يردعه عن غيه وعبثه عن نشر وبائية بين الناس سوى العقاب الصارم.

بعد أن يسكت بوق الطائفيين الناعق في آذان الناس صبحاً وليلاً، يتم نشر ثقافة الاختلاف وآدابه بين الناس، وتوعيتهم بخطورة الطائفية في المناهج الدراسية والإعلام الوطني النزيه، ليخرج لنا جيل يجرم الطائفية قولاً وفعلاً، لا يرفضها فقط. ويعتبرها جزءا من ماضيه الغابر، وأعتقد جازماً، بأن هذا ما أراد خادم الحرمين الشريفين، راعي الحوارات ومشيد الحضارات، أن تتوصل إليه مخرجات مركز الحوار بين المذاهب الإسلامية.