آخر تحديث: 28 / 3 / 2020م - 5:09 م  بتوقيت مكة المكرمة

سوسة الـ «هاي سكول»

حبيب محمود * صحيفة الشرق السعودية

قد تُصلح بعض أفلام الـ «هاي سكول» أموراً في بلاد مثل أمريكا، بقدر ما تخرّب في مثل مجتمعاتنا. وبعض الفنّ مثل بعض السياسات، قد تصلح لبلاد ولا تصلح لأخرى. ومثل بعض الكائنات الحية التي تعيش في بيئات وتموت في ـ أو تدمّر ـ بيئات جديدة نُقلت إليها قسراً..!

وبعض تجارنا لا يريدون أن يفهموا ذلك، وبعض مسؤولينا أيضاً. فحين افتتنّا بنخيل الجزر الاستوائية في سبعينيات القرن الماضي؛ جلبنا على نخيلنا وباء السوسة الحمراء. وفي بداية العقد ذاته أدهشتنا شجرة السيسبان؛ فملأت شوارعنا وحدائقنا، بل صارت تنبتُ في كلّ مكان، وانقرضت من واحاتنا شجرة تُشبهها اسمها «النوّام».

والأستراليون يعانون منذ ثلاثينيات القرن الماضي وباء الضفادع الأمريكية التي جاؤوا بها لتكون مبيداً حشرياً لنباتات الذرة، ولكن الذي حدث هو تكاثر هائل لعلاجيم سامة لا ترى ما تأكل..! ونماذج التدخل البشري المدمّر في البيئات والمجتمعات لا حصر لها، ولا ملامة على من يصدّر قياساً بمسؤولية المستورد.

والصناعة السينمائية والتليفزيونية في العالم موجودة ومستمرة لأنها تربح، ومن حقّها أن تصدّر قيمها وثقافتها للشعوب الأخرى. كما أن من حقها أن تدعي أن لها رسالة. إلا أن رسالتها قد تنجع في مجتمعها استناداً إلى تخاطبه بلغته وأسلوب حياته. وعوداً على منتجات الـ «هاي سكول»؛ فإن ما يحتاجه المربّي الأمريكيّ هو طرح لقضايا أبنائه وبناته في وسط تربويّ دقيق. ولأنه في «بلاد حرة» كما تقول العبارة الأمريكية؛ فإنه يطّلع على سيناريوهات متصلة بتعقيدات العلاقة بين المراهق والمراهقة والمحيط التربوي برمته.

قد يكون في هذه المنتجات شيء من الواقع الأمريكي وهموم الآباء والأمهات هناك، من أجل أن يتفهّموا واقع أبنائهم وبناتهم، ويتصرفوا على أساس إشكالية الحرية الشخصية في مجتمعهم. بيد أن هذه المنتجات لا تعالج الواقع الشرقيّ ولا تلامسه، بل تخدشُ حساسياته على النحو الذي لا يصطدم بأسلوب الحياة فحسب؛ بل يعقّد المسؤولية التربوية حتى عند أشدّ الشرقيين انفتاحاً.

وحين نُصرُّ على تسويق هذه البضاعة في شاشاتنا؛ فإن الأمر لن يختلف عن وباء السوسة الحمراء الذي دمّر نخيلنا.