آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 2:32 م  بتوقيت مكة المكرمة

سياسـة النَّأيِ بالنَّفْس !

حسن السبع صحيفة اليوم

لا يذهبنَّ بكم الخيالُ بعيدًا. فلا علاقة لعنوان هذا المقال بما يدور في أروقة أو كواليس السياسة. الموضوع أبسط من ذلك بكثير، لأن المقصود هو «سياسة النأي بالنفس» عن الحماقة ومشتقاتها. لندع السياسة لأهلها، ولغير أهلها، ممن يمكن أن يُطلقَ عليهم مسمَّى «كُتَّاب.. عَنْز ولو طارت».

عندما يتعلق الأمر بالسياسة، فليس عندي ما أضيفه في مثل هذه الأجواء التي يختلط فيها الحابل بالنابل، أفضل من عبارة الفنان عادل إمام في مسرحية «شاهد ما شافش حاجة»: «ده أنا غلبان»! وسوف أبقى «غلبان».. ولكن بإرادتي.

كان لا بد من هذه المقدّمة كي لا يُقرأ هذا المقال من عنوانه.. وبعد: قال أحد الحكماء، فأحسن القول: «لا تجادلْ الأحمق.. فقد يُخطئ الناس في التفريق بينكما»! يعني قد يمرّ بكما عابر سبيل، فلا يدري أيّكما الأحمق. ويدخل هذا ضمن سياسةِ «النَّأيِ بالنفس». أما أنا فأضيف إلى ذلك، وضمن السياسة نفسها، اقتراحًا آخر فأقول: «ولا تجادل قليلَ الثقافة، ولا مدّعي المعرفة»، فقد يسبب لك ذلك النقاش غير المتكافئ صداعًا. وهنالك سبب آخر غير الصداع، فقليل المعرفة يتعلم منك، دون أن يقرّ لك بذلك. بل يتعلم منك، ويوحي إليك بأنك تتعلم منه! وذلك شكل من أشكال الشطارة أو الفهلوة التي يمارسها قليلو المعرفة. أما إذا ناظرتَ مثقفًا غزير المعرفة، «فلا تناظره أمام العامّة، فإن العامّة لا تدري ما يجري يبنكما، كما أن العامّة تؤخذ بالظاهر»، وتلك نصيحة أبي زكريا الفرَّاء لأستاذه الكسائي قبل البدء بمناظرة بين الكسائي وسيبويه في بغداد القرن الثاني الهجري.

يسألني بعض الأصدقاء: «لماذا لا تشارك في «أغاريد» تويتر، أو دردشات الفيسبوك؟».. ويضيفون: «ما جدوى أن يكون لك حساب على هذين الموقعين دون «أغاريد» أو «دردشات»؟ سؤال وجيه، فهذه مواقع أنشئت للتواصل الثقافي والاجتماعي. غير أن الرَّبع قد حوَّلوها إلى ساحة عراك. فكانت «سياسة النَّأيِ بالنفس» فكرة سديدة. كل ما أفعله هو نشر نصوصي الشعرية، ورابط مقالي الأسبوعي على الفيسبوك. أما موقع «تويتر» فإني أزوّره مرة كل أسبوع «لألصق» عليه رابط مقال الثلاثاء، ثم ألوذ بالفرار! أما لماذا ألوذ بالفرار، فقد أجبت عن ذلك السؤال، ذات يوم، مقتبسًا أحد نصوص سيد الفنتازيا الشاعر الأمريكي كلارك أشتون سميث. وقد تصوّر «دون كيخوته» بطل رواية سرفانتس، يتسكّع وحيدًا في زحام أحد شوارع نيويورك، فنصحه قائلًا: «اذهب أيها المغفل الأسطوري من حيث أتيت.. فلن تحقق، هنا، الاحترام ولا المجد.. عُدْ إلى الماضي كي لا تهدر فروسيتك في معارك عبثية لا طائل من ورائها»! نعم، لا توجد، في أيامنا هذه، مساحة لأخلاق الفروسية. فالشعار السائد هو: «إللي تكسب به، العب به». لذلك فإني أشفق على بعض المثقفين الجادين ممن يشاركون بحماسةٍ عاليةٍ في تلك المتاهة من النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي. وأتساءل: «ما جدوى ذلك؟».. فالحق، كما يُقال، يحتاج إلى شخصين؛ شخص ينطق به، وآخر يفهمه. أشفق على مثقف متفتح عقليًا، وهو يؤذن في مالطة إلكتروينة، أو يناقش متعصِّبًا «يحمل مصباحَه وراء ظهره فلا يرى إلا ظله».. ولا يُجيد غير لغة العنف، وعنف اللغة. أليست «سياسة النأي بالنفس» مفيدة؟