آخر تحديث: 28 / 3 / 2020م - 5:09 م  بتوقيت مكة المكرمة

تآمرنا ضدّ سلامتنا

حبيب محمود * صحيفة الشرق السعودية

ما أن يلمح أحدنا سيارة من سيارات «ساهر»؛ حتى يُرسل تحذيره لمن خلفه بإضاءة الإشارات الأربع الوامضة. هكذا تحوّلنا إلى «متآمرين» ضدّ أنفسنا وسلامتنا وسلامة الطرق. وصار ساهر معروفاً ومكشوفاً للسائقين وبطريقةٍ يؤلم ربطها بالحوادث المتكررة في طرقنا.

«ساهر» لم ينجح في إقناعنا إلا بكونه شكلاً من أشكال الجباية. بل نحن لا نراه إلا بهذا الشكل، ولا نرى الجداول والأرقام الهائلة الآتية من سوء تقدير الأمور المرتبطة بالسلامة المرورية. وأظنّ أن «ساهر» يمثل واحدة من حالات كثيرة تدلّ على سوء علاقتنا بالخدمات والاحتياجات. فكلنا يريد نتائج بلا مقدمات، أو يريد مقدمات بلا نتائج. وحين تكون السرعة مقدمة؛ فإن النتيجة هي الخطر. وحين تكون العقوبة «المالية» هي النتيجة؛ فإن المخالفة هي المقدمة، ولذلك نرفض الأولى ونريد الثانية..!

وفي تصوّرٍ أحسب أن بعض القرّاء سوف يكرهني بسببه؛ هو أن مخالفة السرعة لدينا لا تساوي شيئاً إزاء مشاهد الجثث والمركبات المحطمة التي نراها يومياً في طرقنا. وغرامة السرعة، وحدها، لا تساوي أكثر من ثمن عشاء مجموعة مراهقين في مطعم للطبقة الوسطى. وبالتأكيد؛ فإن ثمن عشاء بهذا المستوى لا يساوي شيئاً قياساً بدية إنسان مات في حادث. هذا إذا حسبنا الأمور بالمال..!

أما حين نحسبها بغير المال؛ فإنني وكل قارئ لهذه السطور يعرف في محيطه الاجتماعيّ كثيرين زهقت أرواحهم في حديد السيارات. حتماً يعرف أيتاماً وأراملَ وأمهات فُطرت قلوبهنّ وآباء شُرخوا بفقد أبنائهم. وهذه الآلام لا تُدوّنها فواتير الورش ولا صكوك الديات..!

قيمة مخالفة يرصدها «ساهر» لا تساوي شيئاً أمام تكلفة علاج مصاب واحد، ولا تعب رعايته، ولا حتى نفقة أيام نقاهته. ومع ذلك؛ تآمرنا على «ساهر» لأننا اعتبرناه جابياً، ووضعناه إلى جانب فواتير الخدمات وإيصالات الرسوم، وملاحقة لجيوب ذوي الدخل المحدود..!

ثم أنحينا باللائمة على «ساهر» نفسه، وقلنا إن التوعية به لم تكن كافية، وطرق تنظيمه لم ترقَ إلى مستوى تعميمه في البلاد. وقد يكون ذلك صحيحاً من ناحية. إلا أن إحساسنا بمسؤوليتنا إزاء سلامتنا وسلامة الآخرين لا يحتاج إلى برامج.