آخر تحديث: 1 / 4 / 2020م - 12:30 ص  بتوقيت مكة المكرمة

كتلة عدم الانحياز بين الأمس واليوم

يوسف مكي * صحيفة الوطن السعودية

افتتحت هذا الأسبوع الاجتماعات التحضيرية للقمة السادسة عشرة لدول عدم الانحياز، بالعاصمة الإيرانية طهران، وسط أجواء إقليمية غاية في التعقيد. وقد عقدت الدورة السابقة في شرم الشيخ عام 2009، حيث تسلمت مصر منذ ذلك الحين رئاسة هذه الكتلة، وستقوم بتسليمها إلى إيران، مع انعقاد القمة الجديدة.

لقد جاء تأسيس هذه الكتلة استجابة لواقع موضوعي، حيث استعر في بداية الخمسينيات من القرن المنصرم التنافس والصراع بين الكتلتين الاشتراكية والرأسمالية. وانقسم العالم في ولاءاته وتحالفاته بين المعسكرين. وفي خضم هذا التنافس برزت فكرة النأي عن الارتباط بأي من المعسكرين المتنافسين.

واقع الحال، أن أول من تنبه لمخاطر الصراع بين المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي كان رئيس وزراء الهند وأحد صانعي استقلالها، جواهر لال نهرو. فمنذ وقت مبكر، وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أثقالها، بفترة وجيزة، صرح نهرو الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية آنذاك أن بلاده تعمل على تبني سياسة النأي عن الصراع الدائر بين معسكري الرأسمالية والاشتراكية. وفي مؤتمر باندونج، في إندونيسيا عام 1955، الذي حضرته 29 دولة، أعاد الزعيم الهندي تأكيد رفض الهند الانحياز لأي من المعسكرين المتصارعين، ورأى أن الارتباط بأي منهما، يعرض بلدان العالم الثالث للمخاطر، ويفقدها صفة الاستقلال. وقد تبنى المؤتمر المذكور مصطلح الحياد الإيجابي، لكن ذلك لم يستمر طويلا، حيث تم استبداله لاحقا بمصطلح عدم الانحياز. لكن المبادئ الأساسية لهذه الكتلة قد تحددت في هذا المؤتمر وعرفت بمبادئ مؤتمر باندونج.

نصت مبادئ باندونج على احترام حقوق الإنسان الأساسية وميثاق الأمم المتحدة. وأكدت على احترام سيادة كل الدول وسلامة أراضيها. وطالبت المجتمع الدولي بالاعتراف بمساواة جميع الأمم والأجناس، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة، وحق كل أمة في الدفاع عن نفسها فرديا أو جماعيا. ودعا بيان باندونج إلى منع استخدام الأحلاف العسكرية للضغط على أية دولة. وبالمثل طالب بمنع استخدام العنف ضد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لأي بلد، وتسوية المشاكل الدولية بالطرق السلمية. وأكد على أهمية تنمية المصالح المتبادلة والتعاون بين الدول، واحترام العدالة والالتزامات الدولية.

في مؤتمر بريوني بيوغسلافيا عام 1956 تبنى زعماء مصر ويوغسلافيا والهند فكرة «عدم الانحياز» لأي من المعسكرين. ورغم معارضة بعض قيادات الدول النامية لهذا التوجه السياسي، بقيت الكتلة قائمة، وعقدت مؤتمرات عدة لتجسيد منطلقاته. وقد شكلت الدول التي استقلت حديثا إثر هزيمة الاستعمار التقليدي بالحرب الكونية الثانية، في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية قاعدة الكتلة العريضة. وكان أثر ذلك واضحا في توسع أعضاء هذه الكتلة من 21 دولة عام 1961، عندما عقدت القمة الأولى إلى 47 دولة بالقمة الثانية عام 1962، ونما الالتحاق بالكتلة بشكل واسع حتى بلغ 113 دولة.

وعبر هذه المؤتمرات تطورت أهداف ومبادئ الكتلة، لتؤكد أهمية العمل على تشجيع السياسات المستقلة القائمة على تعايش النظم السياسية والاجتماعية المختلفة، وتشجيع حركات الاستقلال الوطني في المناطق المستعمرة. والأهم هو رفض سياسة الأحلاف العسكرية، وعدم الارتباط باتفاق ثنائي مع دولة من الدول الكبرى، أو السماح لدولة كبرى بإِقامة قواعد عسكرية على أراضي الدولة غير المنحازة.

ولاحقا مع بروز حالة الاسترخاء في العلاقة بين العملاقين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، بعد تعزز سياسة التعايش السلمي بينهما، تبنت كتلة عدم الانحياز مواقف إجرائية لتطوير صيغ التعاون فيما بين أعضائها. وضمن تلك المواقف الدعوة لإِنشاء مصارف لدول عدم الانحياز، وتنمية التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء، وتشجيع روابط منتجي المواد الأولية، كما حدث في مؤتمر كولومبو في سريلانكا عام 1975، والدعوة إلى إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد، أكثر عدالة، كما حدث في مؤتمر قمة الحركة بالجزائر عام 1973.

المقاربة بين خصائص ومواقف كتلة عدم الانحياز بين الأمس واليوم، لن تكون صحيحة ما لم توضع في سياق التطورات في السياسة الدولية. وفي هذا السياق، ينبغي التنويه أن نشوء الحركة قد جاء في الأصل ردا على حالة التنافس بين قوتين، وذلك يتضح من المسميات المختلفة التي حملتها الكتلة. فتعابير الحياد والحياد الإيجابي وعدم الانحياز، تشير إلى أن الكتلة تقف في وسط الطريق بين الكتلتين: الاشتراكية والرأسمالية وهي حيادية ولا تنحاز لأي منهما. والحياد وعدم الانحياز، في مضمونه هو عدم الانخراط في الأحلاف العسكرية التي نشأت نتيجة لذلك التنافس، وبشكل خاص حلف الناتو وحلف وارسو والمعاهدات والتكتلات العسكرية التي نتجت عنهما وهي عديدة. ويعني ذلك ضمنا عدم تقديم قواعد أو تسهيلات عسكرية لأي من الطرفين المتنافسين في البلدان المنضوية بكتلة عدم الانحياز.

في مجالات أخرى، لم يكن ممكنا تحقيق مطامح الكتلة، بسبب ارتباط معظم دول العالم اقتصاديا وسياسيا بهذا الفريق أو ذاك. فعلى سبيل المثال، ظلت العلاقات متينة بين دول مؤسسة لكتلة عدم الانحياز مثل مصر ويوغسلافيا بالاتحاد السوفيتي. كما بقيت العلاقات الاقتصادية متينة بين الهند وبريطانيا، من خلال ارتباط الأولى بالكومنولث البريطاني. وحتى على المستوى العسكري، استمرت العلاقات وطيدة بين أعضاء الكتلة بأحد المعسكرين المتنافسين. فكوبا التي كادت علاقتها العسكرية مع الاتحاد السوفيتي أن تتسبب في حرب عالمية ثالثة، بين السوفيت والأميركان أثناء حقبة الرئيس الأميركي، جون كنيدي هي عضو في كتلة عدم الانحياز. وهناك دول أخرى متحالفة عسكرية مع الغرب، كالعراق أثناء الحكم الهاشمي.

وحين نأتي إلى موقف القوى العظمى، من كتلة عدم الانحياز نجده مرتبكا وقلقا وخاضعا لقانون المنفعة. فالسوفيت يرون فيه أداة أميركية لمنع دول العالم الثالث من الارتباط بالمعسكر الاشتراكي، ومشروعا ضد حركة التحرر العالمي. والأميركيون ينظرون له كمخلب قط لمساندة المشاريع السوفيتية بالعالم. ويستدل كل فريق على أطروحته بمثل ينتقيه ليعزز وجهة نظره.

فالسوفيت على سبيل المثال، يرون أن يوغسلافيا هي جزء من المنظومة الاشتراكية، فرطت منها والتحقت بالمعسكر الأميركي، بالتحاقها بكتلة عدم الانحياز رغم أنها احتفظت بهويتها الاشتراكية، والأميركان يطرحون اسم كوبا ليدللوا على أن الكتلة تابعة للاتحاد السوفيتي. والأمثلة في هذا السياق كثيرة، والحديث عن الخصائص والمواقف والمقاربات بين الأمس واليوم، لم يكتمل بعد، وبحاجة إلى المزيد من القراءة والتحليل ووضعه في سياق الحاضر، في الحديث المقبل بإذن الله تعالى.