آخر تحديث: 28 / 3 / 2020م - 4:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

حقوق الإنسان غايات

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

المجتمعات الإسلامية المتطلعة لنيل حقوقها تيمم نحو التشريعات الوضعية، لكن هل هذا التطلع مرتبط بالغاية الإنسانية العليا؟ ماذا ستحقق للإنسان الحقوق الوضعية؟

وما الإنسان الذي تريد؟ هل حرية التعبير والمعتقد هي لبناء ذات إنسانية في مفهوم الإنسانية «Humanism» المضخم للذات؟ أم هي انفلات للطاقة البشرية الكامنة في حركة عبثية من المفهوم الوجودي «Existentialism» المتناقض؟ ماذا ستفعل هذه الحريات بالإنسان؟ هل حقا ستنتج هذه الحقوق مجتمعا بشريا فاضلا وعاقلا وهي عاجزة عن الضبط بين مفهوم حق الفرد وتكاليفه كما هو في المجتمعات الغربية بالاصطدام بتكاليف المسلمين من المواطنين كالنقاب والمآذن؟

ان المعضلة لا تكمن هناك، بل هنا مع هذا الاندفاع المحموم عما سيؤول اليه مجتمعنا المتعطش لحقوق الإنسان الوضعية. ان أولى المتناقضات في حرية التعبير والمعتقد في الوضعي انها غايات لا أدوات، فاذا تحققت نال الانسان حقوقه، لكن ماذا بعد؟ هل حرية الإنسان شكل من الكمال؟ أم جسر له؟ وحرية التعبير تعبير عن الفضيلة أم لسان حالها؟ في هذه المفارقة الواضحة بين الغاية والوسيلة بين الوضعي والإسلامي تكمن الحقيقة أو السراب. اذا ما تعاضد التنظير الإسلامي التشريعي مع الجزائي لحقوق الإنسان فان حقوقه للإنسان تستهدف أداة لغاية متعالية. فالأولى تضمن كرامة الإنسان الذاتية لان «تنظيم العلاقات الإنسانية يقوم على أساس تنمية وحفظ الكرامة الإنسانية وإشاعة ثقافة كرامة الإنسان. فالإنسان الكريم يدافع عنها وهو ايضا يسعى لحفظ كرامة الآخرين». فكل ما تستطيع ان تحققه هذه التشريعات تهيئته للانطلاق في مسيرة التربية الذاتية. فتشريعات الحقوق توجد بيئة للتحرر للحركة نحو الآمال المتعالية للكمال البشري. إن حقيقة الحرية دون وضوح الرؤية ضياع، والحرية الصادقة هي الخروج من عبودية الذات الى الكل أي سير نحو صناعة الإنسان الكامل. «الانسان الكامل ظهر كمال الصورة وهو قلب لجسم العالم الذي هو كل ما سوى الله» كما يقول المولوي في رائعته:

أيها الإنسان توجت بتاج الكرامة وطوقت بطوق الشرف

اجميلا منك ان تكون منبهرا بمظاهر الطبيعة والأفلاك وهي في خدمة الإنسان الكامل.

إن الإنسان خلاصة الوجود وقطب رحاها

فالحرية في البعد السماوي لا تتحقق والذات البشرية في عقال عبوديتها للشره والرذائل، فكيف يحرر غيره من هو عبد لذاته؟ والحرية تنبع من الذات أما الخارج فهو تحرر من قيود الطاغوت. إن البعد الحقوقي الأول للإسلام هو صيانة الكرامة الذاتية للسير للكرامة المكتسبة في خلاصتها القرآنية «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» أي إعادة صياغة القدرات الذاتية المعنوية والمادية للإنسان تحت عناية الله وإرادته.