آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 11:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الأقلية المسيطرة..!

حبيب محمود * صحيفة الشرق السعودية

المجرمون في أي مجتمع هم أقلية دائماً. ولا يمكن لأيّ مجتمع أن يكون كله مجرماً، ولا حتى كثير منه. ومثلهم الخارجون على القانون والمخالفون. ومع ذلك؛ فإن للأقليّات أشكالاً متعددة من التأثير السلبي في محيط الأكثرية، وإثارة الصداع والقلق. إنهم يفرضون آثارهم على الأهرام الاجتماعية والسياسية والقانونية والأمنية، وسائر مناحي الحياة وتفاعلاتها.

ومن الطرافة أن القوانين العقابية بالذات توضع تحاشياً لظواهر نسبية في الغالب. فحدّ القصاص ـ مثلاً ـ وُضع في التشريع الإسلامي ليس لأن غالبية الناس يقتل بعضهم بعضاً، بل لأن نسبة ضئيلة جداً منهم يرتكبون هذه الجريمة. ولكنّ جريمة قتل واحدة لها تأثير صاعق في محيط اجتماعي لا يتخطى قوامه المائة نسمة فقط. وهذا يعني أن تأثير الـ 1% يفوق ـ بكثير ـ تأثير حالة السلام في الـ 99% السائدة..!

النسبة السلبية الضئيلة جداً تُعطي مبرراتٍ كثيرة للتعميم والاستقراء. والمتعصّبون حالة من حالات هذه النسب المؤثرة والمسيطرة في المجتمعات البشرية، وهي قادرة على تخريب وتشويه الأكثرية وتغذية الصراع وتفجير الأزمات. وفي منطقة الخليج مثل طريف يلخّص هذا المضمون.. يقول المثل «ألفْ عمّارْ ما يقدرون على خرّاب».

وهذا كلام دقيق تماماً؛ إذا فهمنا أن جهود المصلحين تذهب هباءً أمام قلة نادرة من المخربين..!

وقلة من السائقين المتهورين يُشيعون خوفاً في شوارع يستخدمها سوادٌ أعظم من السائقين النموذجيين انضباطاً والتزاماً. وثلاثة أشخاص فقط يمكن أن يرعبوا مدينة هائلة المساحة بآحاد من جرائم السطو المسلح.

وألمٌ متركز في ضرسٍ واحد يُنغّص كلّ لذة متأتية، على الرغم من أنه ليس إلا واحداً من أصل 32 ضرساً، وكلها جزء من تكوين عظمي يتجاوز عدده 200 عظمة.

ولكن المحترمين لا يشغلهم الاستقراء الناقص ونتائج التعميم الآتية من «جزء» واحد من الصورة الكاملة. إذ لا يؤاخذ الناس «بما فعل السفهاء» منهم، ولا يجوز الحكم على أمة أو فئة أو طائفة أو قبيلة أو جهة من خلال «مجموعة» منها. ففي كلّ جماعة بشرية هناك خير غالب، وشرٌّ شاذ. هناك «عمّارون» كثيرون يقابلهم أفرادٌ «خرّابون»