آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 3:18 م  بتوقيت مكة المكرمة

معضلة الدراما التاريخية

حبيب محمود * صحيفة الشرق السعودية

الدراما التاريخية فنٌّ قبل أن تكون تاريخاً. بل لا يمكن اعتبارها تاريخاً إلا في حدود تصرّفات الفن وإجراءاته. ومن الناحية العلمية؛ لا يمكن لأيّ عمل دراميّ أن يحقق موضوعية وأمانة نظيفة تماماً.

إنها مثل قصيدة المدح أو الهجاء، مثل الغزل أو العتاب. ولكن بأدوات وشخوص وسيناريوهات خاصة. وشئنا أم أبينا؛ فإنها لن تمارس أيّ تمحيص ولو بعشر معشار ما يمارسه الباحث التاريخي. بل سوف تتقوّل على أبطالها ما لم يقولوه، لأن المقتضيات الحرفية تتطلب أن يتم حوارٌ بين الممثلين. كما أنها تميل ـ حتماً ـ إلى رواية من الروايات طارحة سواها، وهذا ـ بطبيعته ـ لا يتفق والعمل العلمي بالتأكيد.

وهذا لا يعني أن الدراما التاريخية أعمال سيئة، بل هي جميلة ومهمة وأخّاذة أيضاً. ولكن جمالها آتٍ من كونها منجزات فنية. إن جمالها مثل جمال قصيدة للمتنبي في أبي العشائر، أو قصيدة أخرى للبحتري في المتوكل.. أو حتى قصيدة كتبها ابن العلّاف الضرير في رثاء هرّ..!

العمل الفني هو العمل الفني، جماله في أدائيته، وقدرته على إشراك المتلقّي في الإحساس الذي يعيشه المبدع. بالعمل الفني تشعر بنضال الاسكتلندي وليام والاس ضدّ إنجلترا أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، وتُعجب بتناقضات آينشتاين في حياته الشخصية، وتتعاطف مع كوكو شانيل في تقلّبها في أحضان الأرستقراطيين الفرنسيين.

الدراما التاريخية تأخذ جانباً من حقائق التاريخ، وتضيف إليها أشكالاً حوارية وسيناريوهات ليست حقيقية، فيلتقي الصدق التاريخي بالكذب الفني الجميل. تماماً مثلما يفعل التشبيه والاستعارة في النص اللغويّ، شعراً أو نثراً. وكما يفعل الطباق والجناس في إثارة انتباه وتصوّرات المتلقّي. وكما تفعل الأغنية والمعزوفة الموسيقية والصورة الفوتوغرافية المصنوعة بحسّ عال.

وهذا يعني أن جمال الفنّ شيء، وأمانة التاريخ شيء آخر. الحقيقة الجمالية ليست هي الحقيقة العلمية بالضرورة. ومدح الفنان يختلف كثيراً عن مدح المؤرخ، وهجاؤه يختلف عن هجائه أيضاً. الأول يثير العواطف والقلوب بالخيال والتصورات، أما الآخر فيحاول إقناع العقول بالمعلومات. وكلاهما له أثر، ولكنّ دائرة الفنان أكثر تأثيراً، خاصة إذا استخدم وسيطاً إبداعياً شعبياً مثل التليفزيون أو السينما.