آخر تحديث: 31 / 3 / 2020م - 1:58 ص  بتوقيت مكة المكرمة

العيش في ظلّ كذبـة مزخرفـة

حسن السبع صحيفة اليوم

أعرف تلميذًا في المرحلة الابتدائية اسمه كويظم «تصغير لاسم كاظم»، وقد تغيّب عن المدرسة بدون إذن. وعندما حضر في اليوم التالي، سأله المدرس، وهو يلوح بعصاه الغليظة، عن سبب غيابه. فراح يؤكد للمدرس أنه مرَّ بالمدرسة ذلك اليوم الذي تغيّب فيه، ورأى الحارسَ والمراقبَ «الناظر»، لكنهما لم يطلبا منه الدخول إلى المدرسة.

يُقال إن «العذرَ كذبةٌ مزخرفة».. لكن كويظم لم يستطع زخرفة كذبته، كما يفعل الكبار. ضحك المدرس «حتى بانت نواجذه». وهي العبارة السائدة في قصص التراث؛ حيث يضحك صاحب السلطة المطلقة حتى تُرى نواجذه، أو يستلقي على قفاه، وغالبًا ما تنتهي القصة بالعبارة التالية: ثم عفا عنه. وإذا كان جوادًا، أمر له بِصِلة. مع ذلك، لم ينجُ كويظم من عصا المدرس!

قد لا يتفق التربويون مع الكاتب اليوناني كازنتزاكي الذي يقول: «بعد أن كبرتُ وراحت النظريات الخيّرة تضلّل عقلي، بدأتُ أصنّف «أسلوب العصا» على أنه همجي، ولكن بعد أن عرفتُ الطبيعة البشرية بشكل أفضل، رحتُ أبارك عصا المعلم، فقد علّمتنا أن المعاناة هي المرشد الأعظم في ذلك الصعود الذي يقود من الحيوان إلى الإنسان»! قد يكون كلام كازنتزاكي صحيحًا لو كانت العصا التي يتحدث عنها بيد معلم مستنير. لكن مدرسنا لم يكن كذلك.

يُقال إن «العذرَ كذبةٌ مزخرفة».. لكن كويظم لم يستطع زخرفة كذبته، كما يفعل الكبار. ضحك المدرس «حتى بانت نواجذه». وهي العبارة السائدة في قصص التراث؛ حيث يضحك صاحب السلطة المطلقة حتى تُرى نواجذه، أو يستلقي على قفاه.

لذلك، أتعاطف مع «كويظم» الذي تربّى، مثلنا، في تلك المرحلة المبكرة، على يد مدرس بحاجةٍ إلى مَن يؤهله بطريقةٍ صحيحة، ليصبح شخصًا قادرًا على التعامل مع منطق الصغار. فالعذر الذي طرحه كويظم لتبرير غيابه عن المدرسة، وإن كان مضحكًا، إلا أنه قابل للنقاش، ولاستخدام اللغة قبل العصا. كان على مدرّسنا أن يفهم أن كل شيء، بما في ذلك الأشياء الغريبة والمضحكة، قابلة للحوار. نعم. لماذا، ونحن نتحدث كثيرًا عن الحوار، لا يبدأ الحوار مع «كويظم» تلميذ المرحلة الابتدائية، مرورًا بمدرّجات الجامعة، وانتهاء بالمحيط الاجتماعي والسياسي.

وبعيدًا عن ذلك العذر الذي أثار ضحكنا وضحك المدرس، فإن كثيرًا منا، لا يختلف عن كويظم في تعليق إخفاقاته على طرف آخر. وما أكثر الشمَّاعات في الحياة العربية! فوراء كل فشل خصم متربّص مستتر لا وجود له إلا في رؤوس صانعي الأعذار. ولو كانت هنالك أعذار للبيع لوجدتَ لها سوقًا ومتسوّقين.

بعض الأعذار غريب. فهل تريد شمّاعة كتلك التي استخدمها «كويظم»؟ خذ، على سبيل المثال، شمّاعة العادات والتقاليد التي تُعلَّق عليها قضايا كثيرة. وما أكثر التطلعات المؤجّلة والمعلّقة على ذلك المشجب الذي أصبح ذريعة للنوم في العسل، ومبررًا لإعاقةِ أية مبادرة للتطوير. وخُذ أيضًا مشجب الخصوصية المصنوع من «وَهْمِ المطابقة». صحيح أن لكل محيط ظروفه الثقافية والاجتماعية المختلفة. لكن عن أية خصوصية نتحدث، إذا كان التنوُّع موجودًا حتى ضمن الثقافة الواحدة؟ أو حين يتعلق الأمر بشؤون التنمية، والتعليم، والقوانين العصرية، وأنظمة الإدارة الحديثة، والانفتاح على العالم وثقافاته المختلفة، وهي في مجملها مطالب حضارية وإنسانية مشتركة. يقول جورج واشنطن: «تسعة وتسعون بالمائة من حالات الإخفاق تأتي من أولئك الذين أصبحت لهم الأعذار عادة»! وأخشى أن نستيقظ، ذات يوم، لنجد عُذرًا مشابهًا للعذر الذي استخدمه كويظم، فنقول: لقد مرَّ بنا ركب المدنيّة، لكن لم يبادر أحدٌ بدعوتنا للَّحاق به!