آخر تحديث: 8 / 7 / 2020م - 3:01 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مع الخاطر... في «في خطى الناجحين»

حسين أحمد بزبوز *

تتأكد قيمة المعرفة - ذلك الترياق السحري - من خلال ما يمكن أن تحققه تلك المعرفة للإنسان وللإنسانية من قيمة أو قيم على أرض الواقع. فكل معرفة تقود الإنسان لتجنب الخطأ في مسارات هذه الحياة المعقدة، أو تدفعه أو تمهد له أرضية الدخول لعالم الوعي والعزة والمجد والكرامة والرشد والنهضة والتنمية أو لذلك كله معاً، فهي معرفة حقيقية، تستحق منا التعب والنصب والحرص والاقتناء... وتستحق منا المعاناة في سبيل نيلها وتحصيلها أو الحصول عليها.

وبالطبع بلا شك، فليست كل تلك الكتابات والتدوينات البشرية المتاحة من حولنا هي كذلك، لتكون ذات قيمة معرفية إيجابية ولا سلبية حقيقية، لتستحق لأجل ذلك أن يغرف ويستزيد الإنسان منا منها باستمرار، أو أن يضيع الإنسان منا جزءً من حياته، في البحث عنها أو في التعرف عليها.

فما أكثر ذلك الترف الثقافي والمعرفي الآسر والأخاذ، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، مهما لذت وعذبت ألفاظه وعباراته، مما لا يزود الإنسان واقعاً بمقدار عشر جناح بعوضه، من المعرفة الحقيقية المنتجة والمفيدة.

وما أكثر ذلك الغثاء المكتوب. وما أكثر تلك الأمراض والسموم والمصطلحات والعبارات الجوفاء المنشورة المتداولة والمنتشرة، تحت عبارات ومصطلحات ومسميات العلم والعلوم والثقافة والفنون والمعرفة. المنهكة والمدمرة في الحقيقة، للأجساد والأرواح والعقول معاً، التي لا تشعل مشاعل للنهوض أو الحرية بل تطفئها. والتي يجب تهميشها وعدم الانشغال وكذا عدم الاشتغال بها.

وبالطبع فنحن هنا، لا نقصد ذم ذلك الترف الثقافي والأدبي الممتع، الجالب للسعادة والتفاؤل والنشوة والشوق والأمل والحماس والبهجة وربما الفعل الجيد. فهذا أيضاً، أجل وأرقى وأرجى، من سموم وأوباء الثقافة والفكر تلك، المدمرة للإنسان والإنسانية، المرتبطة بالدجل أو الوهم والخرافات.

وهنا، في هذه المساحات الشاسعة الواسعة، بين ما هو مفيد ومثمر، ورائع وجميل ومدهش، وما هو سيء ومريض ورديء ومقيت وممرض، يأتي الكاتب العزيز الصديق المبدع الأستاذ/ حسن الخاطر، بمؤلفه القيم «في خطى الناجحين» - ضمن حلقته الأولى -، والذي سيمتد بحول الله وقوته بإبداعه، في سلسلة أجزاء سيكتب لها بإذن الله المزيد من النجاح والإبداع، ليسجل هذا الكتاب هنا، رقماً صعباً فارقاً بين الكتب والمؤلفات المتداولة، والموجودة في متناول أيدي القراء في منطقتنا، خصوصاً في عالمنا العربي، المليء بالكثير من الترهات وتلك المؤلفات الرخيصة.

فالكتاب هنا، كما سنجده عند الخاطر، في هذا العمل، هو فعلٌ من السبر والتنوير، ومزيج ومزج للطيف الواسع من العقول والتجارب والأفكار والخبرات. ولهذا فهو ليس سوى جوهر منير، من الإبداع في الإبداع، الذي صقله ويصقله فكر وتنور كاتبه ومحاوره ويضيئه بالإضافة لذلك جوهر مبدعيه. إنه سبر مميز لعالم التجارب البشرية الحية، والتميز الإنساني الرائع والإبداع، يتوزع بين أطياف رائعة من مختلف بني البشر.

ولو كنت هنا، ممن يؤمن بوجود كتاب «بشري» واحد مقدس - ولست مغالياً هنا في ذلك، عند حديثي هذا عن منهجية الكاتب - لعددت هذا الكتاب في نهجه وأسلوبه هنا، واحداً من ألمع تلك الكتب المقدسة، التي تفي بغرض أن يستفتح بها الإنسان في عالمنا المظلم هذا، في حروبه المتعددة في هذه الحياة، لتوهب له بها المعرفة والرشد والحياة الحقيقية، في لحظات فارقة مصيرية وجذرية.

حيث نجد هنا، ذلك الكتاب العميق، الذي تزين بلغته البسيطة، التي يسهل أن يخاطب بها الجميع، وطارت به أسئلة الإبداع وإجابات المبدعين، وقبسات من أقوال الحكماء والفلاسفة والعلماء والمفكرين، في سماوات التنوع والتنوير والعطاء، ليكون جديراً هنا بالمدح، وكفيلاً هناك بأن يعطي الإنسان منا خصوصاً جيل الشباب الناشئ أو من هم في مثل حاجاتهم البشرية التي يقدر لها غالباً في عالمنا أن لا تشبع، الكثير من الأجنحة والمفاتيح السحرية، التي تفتح للإنسان أبواب الوعي والنجاح والمعرفة، ما إن ينفتح الإنسان منا بفكره وتأملاته المعمقة عليها.

وهنا فليس أروع من أن تجتمع لغة العقل والنور والتنوير وتناقض الأفكار والتوجهات وتنوعها، مع تجارب بشرية غنية ومتنوعة، كتلك التي أحضرها واستجلبها الكاتب الرائع الخاطر، الذي عرفته بالكثير الكثير من تواضعه أمام الأقران، وبحبه للآخرين، وسعيه لمدحهم ورفعتهم ومجدهم.

ورغم أن الكتاب الذي نتحدث عنه هنا، لم يكن كتاب شعر ولا كتاب أدب، يهتم بانتقاء الكلمات، وفنون صياغة العبارات، ويستخدم الأساليب البلاغية في الشد والتشويق والجذب والإثارة، لكنه رغم ذلك التبسيط والتواضع كله أمام لغات الشعر والآداب والفلسفة، بحر من الشعور والمشاعر وعوالم الحكمة والمنطق والفلسفة ومن اللغة الغنية المعطاءة. ويكفي الكتاب وكاتبه، أن يكون كاتبه نفسه، هو عقل واعٍ مثقف ومبدع، صاحب خبرات ونجاحات مميزة، وتجارب حياتية عظيمة شتى، رغم حداثة العمر، ونعومة الظفر، ورغم الصعاب الجسيمة المؤهلة لدفن الطموح والإبداع كله في مهده، والتي مر بها هذا الإنسان المكافح المميز، المنتصر في النهاية، حين لم تكسر طموحه ولا إبداعه الأمواج العاتية، فشق رغم كل شيء، شواطئ الكفاح وطريقه للمجد في الموج العاتي وفوق أوعر الطرق في أعتى الجبال... الخ.

هذا المثقف المبدع والواعي قبل كل شيء، جاء بوعيه ونجاحاته وخبراته المميزة، ليكتب لنا بقلمه النير، عن النجاح والإبداع. مستقرئً تلك التجارب البشرية الجميلة والرائعة والملهمة بطريقة فذة وهادفة تعبر بين اللذة والألم والمعرفة والجهل والثروة والفقر، فترسل في ثناياها الكثير من الرسائل العميقة والعظيمة والإيجابية البناءة والتنويرية والهادفة.

يقال أن: «السؤال هو نصف الجواب». والحقيقة هي أن السؤال أحياناً، هو كل الجواب، وكل شيء. فالسؤال أحياناً يصنع الجواب والإجابات، ويولد النتيجة، حيث يكون السؤال هو المفتاح والبوصلة، التي تقودنا، في دروب البحث والتفكير والمعرفة والتأملات. وهكذا كان السؤال هنا عند الخاطر، هو ومضة في الظلام، وبذرة في الأرض، وانفتاح على الآخر وعلى مختلف جوانب الحياة. ويكفي أن يأتيك إنسان يفتح لك نافذة واسعة، لتنفتح منها على مختلف جوانب الحياة التي كنت بعيداً عنها وتجهلها، فتبتعد هنا، عن الجهل والظلام.

لقد تجاوز الخاطر بنا عبر أسئلته، تلك الحالة التقليدية للكثير من المحاورين التقليديين الذين لا يتقنون سبر الأغوار ولا توجيه الرسائل، فكانت أسئلة الخاطر هنا، إبداعاً في مقابل الإبداع، وتحدٍ حقيقي في وجوه الناجحين والمبدعين المميزين، وكان سبر الخاطر هنا سبراً ملهماً وفعالاً، عبر أداة قيمة، تستكشف تلك التجارب الإنسانية الجميلة والمتنوعة، التي تمنينا لو أن الخاطر، سبر في أعماقها جوانب أكثر، ليكشف من أسرارها وأخاديدها الكثير... مما لم يكشف بعد.

إن ألف باء النجاح، في كتاب الخاطر هنا، ترسم ملامحها القوية، من خلال محاور متعددة، يمكننا الاجتهاد هنا في تلمسها سعياً منا لرسمها وإبرازها للقارئ الكريم، لتكون منهجاً يستفاد منه في كتابات مشابهة، عبر النقاط الموجزة التالية:

- الكتاب عبارة عن: سبر لأعماق النجاح والإبداع، بيد واحدٍ من أهم المبدعين والناجحين الشباب، التنويريين والواعين، وهذا ربما أهم ما ميز الكتاب.

- الكتاب عبارة عن: سبر لأعماق التجارب البشرية، الملهمة بطبيعتها دائماً بشكلٍ عام، في كل زمان وكل عصر وكل مصر. وهنا بشكلٍ خاصٍ، كان هذا الكتاب سبراً لأعماق تجارب بشرية لشخصيات معاصرة ومحلية حية، هامة ومميزة ناجحة ومبدعة، لم ننفتح عليها أو على معظمها من قبل. فتميز هذا الكتاب هنا بالعصرية وبحداثة الطرح وجدة التجربة البشرية.

- تميز الكتاب بـ: تنوع التجارب البشرية وتوزعها على عدة محاور، حيث يمكنك أن تجد: قسم للعلماء والمكتشفين - قسم للمفكرين والباحثين والكتاب - قسم للأدباء والشعراء - قسم للمشاريع الفكرية والدينية - قسم لرجال الأعمال... وهذا يغني هذا العمل بلا شك بشكلٍ كبير، ويجعله طيفاً غنياً بالألوان وفرصة للقارئ الذي ينشد الاستفادة من تجارب أقرانه البشر في ميادين الحياة المتنوعة والمختلفة.

- تميز الكتاب بـ: انفتاح المؤلف على مختلف الآراء والتساؤلات والمعتقدات والثقافات. حيث جاءت الأفكار والتساؤلات والاقتباسات هنا في هذا الكتاب من بحارٍ شتى. فالتقى هنا، الفكر الديني باللاديني، والعلم بالغيب، والمعجزة بالخرافة... الخ. لنخرج من ذلك كله وخلاصته، بمفاتيح ذهنية ذهبية، للباحثين عن منافذ للحقيقة في وسط الظلام، وفي ظل تزاحم الحق والباطل في هذه الحياة، وفي زحمة تلوث الحق بأوهام الجهل والأباطيل والخرافات وغبارها الذي راكمته القرون والسنوات.

لقد انفتح الخاطر في هذا الكتاب، على مجموعة من المبدعين والمميزين، الذين يمكن بلا شك الاستفادة من تجاربهم وخبراتهم في مجالات شتى، وهم كما وردت أسماؤهم في الكتاب: «الفيزيائي الفلكي أنور آل محمد - المكتشف الدكتور محمد المحروس - الباحث الدكتور جعفر آل توفيق - المفكر الشيخ علي آل موسى - الباحث التاريخي عبد الخالق الجنبي - الشيخ الكاتب عبد الله اليوسف - الأديب الشاعر سعود الفرج - الأديب الخطيب محمد آل ناصر - الروائي الصغير علي آل سليس - الكاتب الإعلامي حسن آل حمادة - الأستاذ السيد عباس الشبركة - الداعية الشيخ حسن الصالح - رجل الأعمال شوقي المطرود - رجل الأعمال محمد المحسن».

رسم الخاطر هنا بلا شك، لوحة جميلة أخاذة، يمكن للقارئ أن يقتبس منها قبسات وتجارب متنوعة مما يشاء وأن يأخذ منها مفاتيح لدروب متنوعة ومتعددة... لتنفتح أمامه الآفاق.

ونحن هنا، نشيد بهذا الجهد الراقي والواعد الرائع، وندعو القارئ الكريم للاستفادة من مثل هذا الجهد. ولا شك أننا في انتظار وتطلع دائم، لبقية تلك السلسة من الإبداعات، التي ستخرج بنا على يدي الكاتب العزيز بالتأكيد أكثر، نحو رحابة الأفق وعمق الطرح وسعة الحياة. لتنفتح حينها أكثر على تنوعات أكثر وتعدد أعم وأشمل. ليشمل الكتاب في سلاسله حينها ضمن تنوع ذلك الطيف، الكثير من النساء، فيسير بنا في عوالم الإبداع في عالم المرأة، ذلك الكائن الناعم، المبدع والساحر بجمالات الإبداع، والقوي بجمالات الفتنة والذكاء والعطاء. وأيضاً، لتنفتح السلسلة أيضاً على ذلك الآخر، الأخ والنظير من أبناء بقية الأيديولوجيات والتوجهات والطوائف... الخ.

وهنا في الختام، فسنرمي بالأبصار، ونلقي بالتطلعات، للأمام... ولما هو أبعد. وسنضع هنا قلوبنا وعقولنا، أمام ما وجدناه في هذا الكتاب، في دروب الانفتاح، على كل السمو والعطاء والتنوير وسعة الأفق والتعايش... والسلام.

كاتب سعودي «القطيف»