آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 8:25 م

الجدران الأربعة للشيعة في الخليج العربي..! «1»

ألتمس مغفرة منك عزيزي القارئ في ولوغ هذا المسمى والمحدد الطائفي - والتوصيف الديني لعدد غير قليل من المواطنين الأصليين في أوطانهم، وليسوا من «المجنسين» أو الحاصلين عليها أو الممنوحين لها، أي هم بحسب التوصيف القانوني - أبناء الأرض - قبل قيام دولهم، ونظامهم السياسي الذي يحكمهم فهم أقدم منه في الجذور والتكوين والتاريخ.

هذا التفريق بين أبناء الأرض وبين الحاصل على الجنسية له تأثير في القانون الدولي، وأكثر التشريعات القانونية والدساتير في حكم «جواز نزع الجنسية من المواطن الأصيل من عدمه»؟

وهو ما سبق أن توقفت عنده في أصوله وتطبيقاته الدولية وواقع ممارسته في مقال سابق. أبدأ من هنا.. لأن توصيف الواقع - في أكثره - وليس في - تمامه - أو استغراقه لكل أفراده، ومسماه «الطائفي».

هناك دول خليجية لديها - تشريع حماية الوحدة الوطنية - الذي يعاقب على كل تهوين أو توصيف لمواطن يستند على عرق أو لون أو انتماء ديني أو مذهبي، وتلاحق العقوبات الجزائية كل من يسلب مواطنا يحمل جنسيتها «وطنيته» أو تخوينه، أو المساس بكرامته الإنسانية استنادا لانتمائه الديني أو المذهبي.

بعد عام 79 - حيث تهاوت الملكية البهلوية الأخيرة، آخر ملوك إيران - محمد رضا بهلوي - من 1919 م إلى1980م ومغادرته المستعجلة على متن طائرة عسكرية - أسرع من الصوت - بإتجاه مصر.. ومعه زوجته - فرح ديبا - وأولاده الصغار الأربعة حين ذاك..

حين إذ... إن لم يفرح الخليج بسقوط الشاه المروع والمهين هذا، فإنهم لم يجدوا في أنفسهم سببا مقنعا للحزن عليه..! رغم القلق العظيم المتعلق بطبيعة البديل الذي ستسولده الثورة الجديدة..! كما في كل الثورات التي سبقتها...

الحماسة تسبق العقل، والرغبات أكبر من القدرة عليها، والطموح أعمى في نظره لواقعه وحدوده وإمكانياته، وتدمير الممكن مقابل أحلام مستحيلة، فكان مشروع - تصدير الثورة - الذي يترجم حالة - السريان - للثورية والغضب والتغيير.. ذاب في حماستها كثيرون، وغاب في ضجيجها البعض، ولم يتاح لأكثرهم الحكم على الواقع إلا بعد أن تحولوا إلى ضحايا حقيقين له، فقد كان القفز لفضاء لا تبلغه قدراتهم، فتكفل السفح العميق بالقضاء على أرواح الساقطين، أو التيه في وهم المستحيل.

في الشرق خاصة، وأوربا قبل عصر النهضة، «السياسة تدار بالفتوى» وتحقق مكاسبها كلها بمسميات دينية صرفة. فجاء التصور السياسي الفقهي «ولاية الفقيه المطلقة والعامة». وهي ولاية عابرة - للحدود - بذات التصور السلفي القديم، في عدم الإعتراف بالحدود الفاصلة بين الدول، وبذات رؤية جماعة «الأخوان المسلمين» في مصر «التنظيم العالمي للأخوان». بدأ حين ذاك تكوين ما سيعلم به الخليجيون لاحقا تنظيم «حزب الله الحجاز» «تيار ولاية الفقيه» ودعم «الطلائع الرسالية» جماعة الشيرازيين. بقيادة عائلة المدرسي محمد تقي وهادي المدرسي.

هذه الوقائع التي مضت في حال سبيلها، تاركة خلفها ما تركت من التوجس المريب، وأبقت من الظنون السيئة ما أبقت، والثقة المتهمة في نفسها، سيما وهي تأتي على فئة من المواطنين هم «أصالة» في التصنيف الديني القديم، والتاريخي، موصوفون بصفات كثيرة ليس منها صفة واحدة تساعد على حسن الظن بهم..!!.

«مجموع فتاوى أبن تيمية نموذجا» وهو «أحمد عبد الحليم عبد السلام النميري الحراني ولد في 661 هجرية وتوفي 728 هـ جرية»، وهو من أهم المصادر الفقهية، في الفتوى والتسبيب في الأحكام القضائية، وبما يجعله بمنزلة كتاب من أهم كتب التشريع في الفقه الحنبلي المعاصر ولم يتغير «المحتوى التكفيري للشيعة» في كل الرسائل العلمية لطلاب الدراسات العليا - الماجستير والدكتوراة - في الجامعات الدينية لدول الخليج العربي، وهذا جلي في سجل الرسائل العليمة في الجامعات الدينية بدول الخليج وأرشيفها العلمي ومكتباتها الخاصة.

أعتقد بعض الباحثين الأوربيين أنه في أطار منع «فكر التصدير للثورة»، دعمت دول الخليج العراق في حربه ضد إيران، وسعت لتحصين شعوبها من المد الثوري المحتمل في أطار «التصنيف الطائفي» للثورة الإيرانية وقد نجحت في الأثنين معا.

وسرعان ما وجد المواطنون العرب في الخليج - «الشيعة» أنفسهم أمام ظاهرة جديدة عليهم، وهي التأصيل الديني لكراهيتهم، وظهور «التميز العنصري ضدهم» وظهر مصطلح - الأقليات الشيعية في الخليج - لا حقا أو الروافض، أو الشيعة، بكل ما تحتويه من مخزون الضغينة، والتخوين، والكراهية. ودون ىنسبتهم إلى وطنهم الذي ينتسبون إليه ويتم التركيز على هذا النعت بعد كل جناية، أو جنحة، أو خروج على النظام العام من أحد من أبنائهم..!

عندما نقرأ تاريخنا الذي نعيش أيامه، ونكون نتائجه، ونصنع تفاصيله، نجد الجدران الأربعة التي تحاصر الشيعة قد اكتملت، في الوعي والا وعي، في الإدراك الواعي للمثقف، والمحلل أو المؤرخ، وفي تصور الإنسان العامي، وأحكامه الكلية العامة. أو على مستوى الشعور والعاطفة.. والميل.. وضعف اليقين بالثقة، وانقطاع سبيل النسب والتصاهر، وقيام الجدران الأربعة..

«عقدة المظلومية»، و«التخوين»، و«التقية»، و«الإستباحة - التكفير الديني والعقدي» وهو حصار معنوي تماما مثل جدار الفصل العنصري، إلا أنه هنا نفسيا وفكريا ونبذا واستباحة.. يحفر في عمق ثلاثة عقود، ويتعاظم في التكوين العقلي والشعوري لجيل التعبئة بأكمله ما بعد عام 79 م، مما ينذر بعظيم الوبال، وسوء المآل...

وهذا ما سيأتي بيانه في المقال القادم... بعون الله وتوفيقه..