آخر تحديث: 29 / 10 / 2020م - 1:19 م

تسونامي الأخطاء الطبية

سكينة المشيخص * صحيفة اليوم

في كل أمر نسبي في حياتنا هناك هامش ومساحة لارتكاب أخطاء أو الوقوع فيها، فلا مجال للخطأ إلا فيما هو مطلق، ولكن تقليل الأخطاء فيما هو نسبي الى حدودها الدنيا هو المعيار البشري للأداء بشكل أفضل يرقى لمبادئ الجودة والإتقان، وبصورة إجمالية لا يوجد نشاط مهني في العالم لا تصاحبه أخطاء، وحتى في معامل الكيمياء والفيزياء والأحياء هناك هامش لأخطاء التجارب ينبغي ألا تتعداه النتائج وإلا أصبحت مرفوضة وغير صحيحة.

هناك أخطاء تبدو معقولة ومقبولة، ولكن أيضا هناك أخطاء فادحة ومتكررة تسيء الى سمعة القطاع المهني نفسه وتجعل التعاطي معه مربكا ومخيفا، وهذا تماما ما ينطبق على القطاع الطبي الذي باتت عملية السيطرة على أخطائه وخصوصا في السنوات الأخيرة «خارج النطاق» وأصبح المريض يذهب الى المستشفى وبدلا من أن يقول أتمنى الشفاء يستبدلها بعبارة «الله يستر» وهذا فعلا ينطبق على كثير من الحالات، وفي هذا السياق استشهد بما حصل الأسبوع الماضي في منطقة حائل من وفاة جنين لسيدة حامل وإضافة لذلك أصيبت الأم بفشل كلوي، وذلك من الأخطاء التي تتعاظم في تقديرها سلبا لأنه يشكل عملية فوبيا لأي مريض يقصد المستشفى للعلاج.

بحسب إحدى الدراسات السعودية السابقة فإن حوالي 2500 حالة وفاة سنويا يشك بحصولها نتيجة خطأ طبي، وقد ذكر أحد المسؤولين بوزارة الصحة ان «مجموع القرارات الخاصة بإدانة أخطاء طبية وصل الى 670 حالة في 2009، فيما بلغ عدد القرارات الصادرة بها إدانة للحق الخاص 51 وبالحق العام 130، من خلال 18 هيئة صحية شرعية» وكشفت تحقيقات وزارة الصحة عن وفاة 129 شخصا نتيجة لأخطاء طبية خلال عام واحد، والى جانب ذلك ظهر كثير من الشهادات الطبية غير المؤهلة لممارسة المهن الطبية ما يبرر الى حد كبير ارتكاب تلك الأخطاء.

ومع كل هذه الأرقام والإحصائيات، نتساءل.. كيف نستطيع تسليم أجسادنا وأرواحنا للأطباء وبداخلنا شك عميق في وصولنا الى بر الأمان الصحي؟ فقد أصبحت أبدان المرضى مجالا خصبا للعبث والتجارب في ظل ضعف الرقابة والتعويضات التي يدفعها الأطباء للمرضى، ما يجعلنا نقفز الى السؤال.. أين وزارة الصحة من كل هذا؟

مازلت أتذكر قضية الطبيب السعودي طارق الجهني الذي دفع حياته ثمنا لخطأ طبي وكانت قضيته وقتذاك حديث المجتمع السعودي، وأسئلة الأخطاء الطبية تتجه أيضا الى الجمعيات الحقوقية ودورها في هذا المجال والذي يجب أن يكون أكبر وأبرز، فالأخطاء في تصاعد وكذلك الضحايا، ولذلك نأمل في معالجات تضعها في حدودها الدنيا التي لا يبررها ضعف المؤهل، وينبغي رفع سقف التعويضات للمتضررين الى أرقام فلكية حتى يشكل ذلك رادعا قويا للأطباء والمؤسسات الصحية التي تشغّلهم لأن ذلك يرفع من سقف العناية والاهتمام الى الحد الأقصى، فالطب مهنة لا تحتمل تكرار الأخطاء التي تضع المرضى على حواف القبور، ولا يمكن لطبيب غير مؤهل ممارسة هذه المهنة ولو أدى قسم أبقراط أو حتى ابتلعه، فهو ليس مهنة وجاهية أو حرفة يتكسب منها الأطباء أموالا طائلة وإنما تماس مع الأرواح وبذل أقصى جهد لإخراجها من الحالة المرضية الى فضاء العافية بإذن الله.. ينبغي إيقاف دفع فواتير الأخطاء الطبية من أعمارنا وصحتنا، بمعالجات قوية تقوم بها وزارة الصحة لتصحيح السلوك العلاجي للأطباء وإلزامهم الجدية وتطوير قدراتهم قبل مباشرة المهنة.