آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 2:40 م

دار رعاية المسنّين... نظرة من الداخل

هدى القصاب

عندما يصبح إسعاد الآخرين وإدخال السرور إلى قلوبهم من خلال تفقد أحوالهم وقضاء حاجاتهم وتخفيف آلامهم أو رسم البسمة على وجوههم أحد الأهداف المهمة في حياتنا فإننا بلا شك نسعى لخلق مجتمع إنساني متماسك ومترابط بأواصر الرحمة والمحبة والسلام، لاسيما مع من هم في أمس الحاجة إلينا ممن غيَّبتهم ظروف الحياة وتبدلات العمر عن مجتمعهم وأبنائهم إلى مكان آخر..... ”دار رعاية المسنين“.

كثير ما تتكرر زيارات المدارس لدار رعاية المسنين ”قسم المسنات“ وفق خطط التوجيه والإرشاد وانطلاقا من تعزيز الجانب الإنساني للجيل تجاه من أعطوا الكثير من شبابهم وحياتهم لأبنائهم.

ضمن هذا السياق سوف أتحدث عن إحدى زياراتنا مع الطالبات لدار رعاية المسنّين مع أن الحديث يتضمن معلومات لمراكز أخرى تم إطلاعنا عليها وهي بمثابة مشتركات بين جميع دور رعاية المسنين.

كانت الزيارة عام 2013، وكنا جميعا في غاية السعادة، رغم تلك الصورة القاتمة التي لم تخلو منها مخيلتنا عما نجهله عن مكان ووضع للنزيلات وكما أشرت الحديث لا يخص مكان بعينه، لكن سرعان ما بدأت تلك الصورة تتحول إيجابيا حال وصولنا ورؤيتنا للمبنى.

إستقبال باهر غاية في اللطف والذوق الرفيع من قبل مشرفة الدار والإخصائيات، أعقبه شرح وافٍ حول آلية العمل والخدمات التي يقدمها المركز للمسنّات داخل وخارج الدار، وهو بلا شك مؤشر رائع لمستوى العطاء.

بعدها كان اللقاء الجميل بأمهاتنا الحبيبات المعنيات بهده الزيارة، لا للسلام فحسب بل للجلوس والاستِئناس بأحاديثهن الجميلة المنبعثة من القلوب الدافئة المفعمة بالحب والحنان. أجواء في غاية السعادة خلقتها تلك الأحاديث والضحكات والابتسامات المتبادلة بين البنات والأمهات النزيلات على اختلاف الحالات.

أمضينا وقت في غاية السعادة، رغم التأثير النفسي الذي لا يمكن تجاهله حالات متفاوتة وقصص مختلفة. كل حالة تشكل عنواناً لقصة صاحبتها. إحدى السيدات كانت تحمل دُمية تضمها تارة وتتحدث معها تارة أخرى بكل ما تحمله الأمومة من معاني ومن الملفت أن ذاكرة هذه السيدة المسنّة غابت عن كل حضور إلا عن ألمها وحزنها بفقدها لجميع أبنائها، سيدة أخرى كانت تنظر حولها وتنادي على ابنها وكأنها تراه في كل زائر، وتلك بعيدة تماماً عن هذا العالم بأسره، ووسط هذا كله بدت سيدة في غاية السعادة ونظراتها البريئة تتجول بيننا بابتسامة مشرقة جميلة رغم تزاحم خطوط الزمن على وجهها وهي تتغنَّى ببعض الأهازيج الجميلة في سعادة وفرح زاده التفاف البنات حولها بفرح غمر تلك القلوب الرقيقة ورسم البسمة على شفاههن الذابلات.

ودعنا تلك العيون ونظراتها الحانية المحملة برسائل الدعاء والامتنان والرجاء بتكرار الزيارة.

لم يكن المشهد الأخير من برنامج الزيارة، فقد دعتنا إحدى الإخصائيات إلى مكان آخر والجلوس إلى طاولة تشاركنا فيها عدد من الشابات، توقعنا أنهن موظفات لمهام أخرى لنفاجئ بأنهن نزيلات في هذه الدار. واقعاً كانت صدمة لنا جميعاً، دار المسنّات!! لتلك الأعمار الغضَّة...!! ولماذا؟ سؤال طرح نفسه بقوة، لكن الإجابات أتت لوحدها، كل شابة تحاول التعبير عن مأساتها بشكل عفوي لاإرادي، لعل النفس ضاقت بما يختلج بها من آلام، تراجيديا تعددت تفاصيلها ولكن انتهاك الحقوق واحد، طلاق، حرمان من الأولاد والمسكن، حرمان من إرث، حالات عنف من أطراف مختلفة، إهمال وعدم وعي بما تعانيه البنت في مراحل مبكرة من عمرها من خجل شديد وعزلة وانطواء يؤدي إلى تدهور حالتها النفسية والدخول في اكتئاب حاد ليكون هذا المكان هو المصير النهائي لها.

أمضينا مع بناتنا وتلك الشابات النزيلات في الدار وقت جميل حيث بادرن البنات بتوزيع الهدايا والحلوى عليهن. كانت كل شابة تتسابق في إظهار ما لديها من مواهب تميزها عن الأخريات وسط تشجيع الإخصائيات بكل حب وحنان ورحمة.

انتهى الوقت المحدد لنا، وودَّعنا الجميع بابتسامات العيون ولكن القلب يقطر أسىً وحسرةً على تلك الغصون اليانعة التي ذبلت قبل أوانها بأسباب لا تخلو من انتهاكات صارخة للحقوق وتجاوز على الإنسانية التي لم يرد لها خالقها إلا الصَّون والكرامة.

في واقع الحال كان لهذه الزيارة أثرها وانعكاساتها المختلفة من جوانب عدة منها:

أولا: بذل المزيد من الاهتمام ببناء شخصية الطالبات بالشكل السليم، من الناحية النفسية بعيداً عن الخجل أو الإنطواء ومساعدتهن على كسر طوق العزلة الذي ربما يؤسس لحالات خطرة تتفاقم في المستقبل مما قد يُوصلهن إلى هذا الوضع المؤلم إذا لم يتم الوقوف على تلك الحالات ومعالجتها بشكل جاد وصحيح.

ثانيا: من جانب آخر، العمل على تعزيز ونشر ثقافة الحقوق لمن حولنا من طالبات وأبناء وغيرهم وتشجيعهم على تحمل المسئولية لتفادي أي انتهاكات لحقوقهن على الصعيد الشخصي والمهني والاجتماعي... الخ فالصمت حكمة جميلة شرط ألا يسلبنا حقوقنا.

ثالثا: كان لهذه الزيارة أثرها الكبير في استثارة الدافعية لدى الطالبات بالحرص على بناء مستقبلهن التعليمي والمهني لإيمانهن أن ذلك هو الضمان الحقيقي لمواجهة ظروف الحياة الصعبة وتحدياتها ومتغيراتها.

ويبقى إسعاد الآخرين ورسم البسمة على وجوههم هو الغاية والسعادة القصوى وهو الاستثمار الحقيقي للحياة، فهنيئا لكل قلب رحيم مفعم بالحب والعطاء.