آخر تحديث: 3 / 12 / 2020م - 12:21 ص

منهاج السالک الحسيني «1» توصيات للمستمعين عامة

السيد أمين السعيدي *

نتساءل أولاً، ما هي التوصيات اللازم على المستمع اتباعها في القراءات عموماً ومحرم خصوصاً؟

وللجواب على ذلك لابد من معرفة مجموعة أمور ضرورية:

أولها: الغرض: -

وفيه أتعرض لأصله وحدوده وضوابطه كما يلي:

1 - ضرورة التّفكّر في الغرض وتحديده:

بمعنى أن يتساءل الإنسان: ما هو غرضي من حضور هذه القراءات والاستماع للخطيب الفلاني والاجتماع مع الجماعة الفلانية..؟

فالغرض هو نفْس نيّتك المنعقِدة عليها الحركة والمتولِّدة عنها أفعالك؛ فعن الإمام السجاد علىه الصلاة والسلام قال: «لا عمل إلا بِنِيّة»، وورَد: «لا دِين لمن لا نِيّة له».

وىنبغي العلم بأن تحديد الغرض لىتحقق يحتاج للصدق مع النفس والتّفكّر جيّداً کي لا يشذ عن الذهن شيء من النوايا البَيْنيّة الخَفيّة؛ فإنّ كثيراً من الأغراض - صِحّيّة كانت أم عَليلة - تَضيع في لَوْثةِ النفْس وتَنغمس في جُبِّ البصيرة وتَغيب في ظُلمات القلب وبطون الذات، فلا تَنكشف للإنسان إلا بالتأمل الخالص والتدقيق العميق والتّدبُّر.

2 - تشخيص الغرض:

فبعد أن حددتَ الغرض من حضورك مجالس القراءة..؛ عليك أن تقيس غرضك من حيث الصّحّة والبطلان؛ هل هو غرضٌ محمودٌ عند العقلاء أم مذموم؟ وهل هو صحيحٌ شرعاً أم فاسد؟

فإنّ تحديد النِّيّة شيء، وتشخيصها شيءٌ آخر؛ فالتحديد رُتبةٌ أُولى للسالكِ بمثابة النِّطاق لنُشوء التشخيص، تماماً كما أنّ تسليط المصباح في الظُلْمة نحو جهةٍ ما مقدِّمة لرؤيتها وتحديد صفاتها.

وىنبغي الالتفات إلى أن تشخىص الغرض لىتحقق يَحتاج للعلم الکافي لإبصار خصائصه، الكفيل بتمكين الإنسان مِن تعيين صحّته وفساده؛ فحىازة الغاىات العُقلائية وإصابة المُرادات الشرعية كيف تحصل دون عِلم؟

إنّ الله عز وجل أَودَع في الإنسان العقل الذي يمَكِّنه - مبدئياً - من تشخيص الحُسن والقُبح والصواب والخطأ والعِلم بهما والعمل على طِبق الحَسن واجتناب القبيح، ثم الإنسان يَستكثِر من العِلم بالاستماع إلى الخطيب والعالِم والحضور لمجالس المعرفة والمطالَعات والمباحَثات..؛ لذا ىجد المكلَّفون أول فتوى توجَّه لهم في الرسائل العملىة هي: «يجب على کل مكلَّف إحراز العلم بالمسائل التي في مَعرض ابتلائه»؛ لماذا؟

لأنه لا يتمكَّن من امتثال أوامر الله تعالى وطاعته باجتناب نواهيه إلا بالعلم بماذا يريد، وإلا فإنّ طاعة أي شخصٍ لآخر لا تَحصل مع الجهل بما يريد، سيّما إذا كان الشخص المراد طاعته يَضع مراداته بحكمة متناهية ومعرفة عميقة غائبة عن فهْمِ الإنسان وإدراكه الأوّلي البسيط؛ لذا لا إيمان إلا بعِلمٍ وبفقه. وكلما كنتَ أهل فكرة متفكراً أكثر معتبِراً؛ كلما أصبحتَ أَبصَر وأَفهَم وأكثر تَعلُّماً، وكلما كنتَ عالماً أكثر عارفاً بأحكام الله سبحانه وأسرار النفس وخفايا الوجود وفنون الحياة ومسلَّطاً على التعامل مع ذلك؛ كلما كنتَ الأقدر على تحديد نواياك وتشخيص أغراضك والسير نحو النور والسلوك نحو الفلاح المادي والمعنوي؛ ىقول سيد البُلَغاء بعد نبينا العظيم عليهما الصلاة والسلام:

«مَنِ اعْتَبَرَ أَبْصَرَ ومَنْ‏ أَبْصَرَ فَهِمَ‏ ومَنْ فَهِمَ عَلِم» [1] ، وروى الشىخ المعَظَّم الکليني عن محمّد بن ىحىى عن أحمد بن محمد بن عىسى عن علي بن الحکم عن أبي عبد الله المؤمن عن جابر قال: دَخَلْتُ على أبي جعفرٍ علىه السلام فقال: ‏ «ىا جابر، الآخرة دار قَرار والدنىا دار فَناءٍ وزَوال ولکنّ أهل الدنىا أهل غفلة وکأنّ المؤمنىن هُم الفقهاء أهل فکرة وعبرة لم ىصمّهم عن ذکر الله جَلّ اسمه ما سمعوا بآذانهم ولم ىعْمِهم عن ذکر الله ما رأوا من الزىنة بأعىنهم ففازوا بثواب الآخرة کما فازوا بذلك العِلم» [2] .

[1] نهج البلاغه، صبحي صالح: ص506 ح208.

[2] الكافي، الشىخ الكليني: ج2 ص133.
ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com