آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 9:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

صديقان

يومٌ قائظ والدخول في الستين ليس كالخروج منها، أهمُّ بأمرِ الحزمِ لا أستطيعهُ... وقد حيلَ بين العيرِ والنزوانِ

تبدو الدنيا في بعض الأحيانِ كخيمةٍ كبيرةٍ ذات أوتاد لا عدَّ لها وإنسانٌ أعمى يمشي بين الأوتاد ينادي الآخر الأصم ليأخذ بيده لبوابة الخروج، ربما كان ذا حظ عظيم ولم يصطدم بأي وتد أو تعثر بها واحداً تلو الآخر. مع أن الفرضية الأولى قائمة ولكن ليست بهذا أو ذاك.

على زاويةٍ في حي جديد يسكن أحد الجيران في دار لا تقل مساحتها عن 1500 متر مربع وتقف بالباب أصنافٌ من السيارات الفاخرة. كان هو وإخوته في صغرهم يسكنون مع والدهم في بيت متواضع لا تزيد مساحته عن 150 متر مربع ينحدر إليه المطر في الشتاء عبر البوابة الخشبية الضيقة التي لا بد لك من الانحناء وأنت تعبرها صغيراً، فكيف بالكبار. الجار الآخر كان لديه كل ما يحتاج في الصغر، فدخل أبيه كان مضمونا والدراجة الجديدة والملابسَ الراقية والسيارة التي يحسده عليها رفاقه والتلفاز الخاص وزينة السقف التي كان زواره يتمنون مثلها في الكبر، لم يبقَ على ما هو عليه، منزلٌ متواضع ودخل عادي ومصاعب الحياة التي لا تنتهي.

قوانين متوازية يمشي بينهما جميع الناس وهنا قانون ”وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ“. لا بد لعجلة الزمن من الدوران بأهلها فلربما من هو في أعلاها صار أسفلها. قد يكون محيط العجلة أحيانا أكبر أو أصغر فيؤثر على زمن الدوران ولكن لا بد من تغير المكان في الزمان. ما جرى على على صديقيَّ هو ما يصيب المجتمعات والدول والحضارات التي لا تفكر في قانون الاستبدال الطبيعي لمن لا يستطيع أن يخلق لنفسه بيئة أخلاقية واقتصادية تمكنه من الاستمرار والتجديد. يقول صاحبُ تفسير الميزان ما نصه:

"و المداولة جعل الشيء يتناوله واحد بعد آخر.

فالمعنى: أن السنة الإلهية جرت على مداولة الأيام بين الناس من غير أن توقف على قوم ويذب عنها قوم لمصالح عامة تتبع هذه السنة لا تحيط أفهامكم إلا ببعضها دون جميعها"

تعرفت على قانون التدوال أو المداولة عندما كنتُ في العاشرة في صيف الكويت الحار أمشي بين مقاهي العجم وبعدها أقف بالقرب من القصر الأميري ولطالما أعجبني ما خُطَّ على باب القصر ”لو دامت لغيرك ما وصلت إليك“. في المرة الأولى قلت يا الله! ربَّاه! هل من الممكن أن أكون ساكن هذا القصر يوماً ما؟ في المرة الثانية أحسست أن الحارس الذي بقي وحده ولم يسافر يقول لا، ممنوع الاقتراب، أنت لا تصلح إلا شخصيةً في رواية البؤساء لفيكتور هيجو وليس للبؤساء القصور ولكن لتكن لهم قبور إن حالفهم الحظ...

منتهى الحماقة! نحن البشر لن نستطيع استقصاء خفايا العالم وفلسفة ما يجري فيه من تحولات. تنقلنا الأقدار من مكان إلى آخر ولا نرى أو نسمع إلا ما يحيط بنا. ليس لنا الاعتراض أو الاحتجاج وسهام القدر ووروده لا يخطئان فإن كنتَ ذا محنة فلا تلبس السواد بل اشتري البياض لأن في الغد أو بعده سوف ترتديه...

مستشار أعلى هندسة بترول