آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 9:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

عينٌ على الطريق

بدت الأرضُ أكثرَ اخضرارً والشمسُ ألين قبضةً في أوائلِ تشرينِ الثاني، معها بدأت أسرابُ الطيورِ المائية بالقدومِ نحو منطقةِ خليج تاروت والشواطىءِ المجاورة حيث يقضي عددٌ منها فترةَ الشتاءِ كزائرٍ شتوي. تأتي هذه الطيورُ بحثاً عن وطنٍ يضمن لها بقاءَ النوعِ ثم تعودُ حيث أتت، عندما تكونُ الظروف مواتيةً للعودة بحكم جِبْليَّتها والقوى التي أعطاها الربُّ، لكن هل يعود الانسانُ المهاجر كما الطيور؟ ليس بهذه البساطة.

ليست الهجرةُ جديدةً في قاموسِ البشرية أو الشرق الأوسط وكلنا قرأَ لشعراءِ المهجر الذين ارتحلوا إلى الغرب بين عام 1870م و1900م. ظهرت أزماتٌ حادةٌ في السنواتِ الأخيرة تدفع إلى هجرةِ العقولِ نحو أماكنَ تراها أكثرَ ملائمةً لها وربما يكون الغربُ الوجهةَ الأولى لهم حيثٌ تجادلُ بعضُ الإحصائياتِ أن عددَ العقولِ العربية التي هجرت أعشاشها بلغَ عشراتِ الملايين من الأطباءِ والمُهندسين والكتاب والمفكرين، الذي ربما زاد طينَ التنميةِ في هذه البلدان بِلَّة.

كما يقولُ المثلُ الخليجي ”ما حد يعوف عشاه إلا من علٍّةٍ في حشاه“، تختلفُ أسبابُ الهجرةِ من بلدٍ إلى آخر ومن شخصٍ إلى آخر ولكن الأخطرَ اتساعُ رقعتها بكاملِ الوطنِ العربي لتشملَ مجتمعاتٍ ربما كانت هي الشواطئَ التي إليها تكون الهجرة، وليست هجرةُ العقول الداخلية أقلَّ ضرراً من الهجرةِ الخارجية. تقعدُ الاجسامُ في كثيرٍ من الأحيان وتتبعها العقولُ التي كانت يومًا ما مصدرَ إلهامٍ وكتلةً من العلم والمعرفة. يترك المهرةُ المبدعونَ العملَ وربما كان لديهم اكتفاءٌ مالي وربما لا، ولكنَّ الكثيرَ منهم لا يزال في قوسِ الصعود المعرفي والإنتاجي عندما تتوفر له البيئة المناسبة وتوأمة القدرة والرغبة.

يعتبرُ الغربيون هذا النموذجِ من الكفاءاتِ مخازنَ التفكيرِ التي هي تمامًا مثل الأهراءِ التي تمتلئُ بما ينفعُ الناسَ من معارفَ يمكن امتصاصها بأقلَّ من ثمنها للمساعدةِ في تنميةِ المجتمعات والدولِ بدلاً من أن تكون أدمغةً متسولةً تتلهى وتذبل سريعاً ثم تختفي. تهاجرُ الطيورُ وتعود لأنها لا تملك أن تختارَ ولكن الإنسانََ ربما لا يعود وإن عاد فليس بالضرورة كما ذهب، واغتراب عقله أشد ضرراً من اغتراب جسمه.

يأتي يومٌ يكونُ انحدار سيلِ الفكر والإبداع إلى شرقنا ومن بعده يكون شعاعهُ كل العالم كما كان وبالفعل قطرات السيلِ آخذة في التجمع حالمةً وحاملةً مستقبلاً أكثررخاءً، فلنقل يارب...

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو فادي
[ القطيف ]: 1 / 11 / 2017م - 3:49 م
تبقى مميز

ايها المتالق ربي لايحرمنا من هذا القلم الذهبي
يعطيك الف عافيه على الموضوع الرووعه
مستشار أعلى هندسة بترول