آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 9:42 م  بتوقيت مكة المكرمة

قَلَقْ المِحْوَر

يُعرِّف قاموسُ اللغةِ المِحْوَرَ بأنه العودُ من حديدٍ أَو غيرهِ تدورُ عليهِ البكرةُ أوالخطُّ المستقيمُ الواصلُ بين قُطبَي الكُرةِ وهو مدارُ كُلِّ شيء، إذاً متى ما قَلِقَ واضطربَ مدارُ الشيءِ تصدع وتهدم الشيءُ ذاته.

انتشى يزيدٌ بقتلِ الحسينِ يومَ العاشرِ من المحرم وظنَّ أنه أخفى أثرَ الجريمةِ وأفلتَ من العقابِ ولكن ليست إلا هُنَيَّةٌ حتى قَلِقَ محورهُ واضطربَ أمره. أَقسمَ الحسينُ عليهِ السلام قَبْلَ قتلهِ ولم يك ليَحنَث، أما واللهِ لا تلبثونَ بعدها إلا كريث ما يُركبُ الفرس حتى تدورَ بكم دورَ الرحى وتقلقَ بكم قلقَ المحور، عهدٌ عهدهُ إليّ أبي عن جدِّي. إذاً لم يكن نبوءةً أو ضرباً بالرمل.

من يقس التاريخَ بمسطرةِ الحدثِ الآني يفلت من يده الكثيرُ من الحقائق وليس هكذا يقرأُ المتأني الأحداثَ الكبيرة. لم تعمر الدولةُ الأموية بعد الحسينِ طويلاً ولكن الحسينَ رمى أيضاً إلى النهجِ الذي قَرَّرَ المحورُ الأمويُّ الدخولَ فيه. سنواتٌ قليلة وطُحِنتْ الدولة الأموية أكثر مما طَحنتْ خيولها صدرَ الحسينِ واستخرجَ العباسيون رفاتَ سادةِ وقادةِ الأمويينَ من القبور. من ينظر اليومَ إلى مشهدِ الأربعين يرى الكثيرَ ولمن يعتبرها عادةً أو طقساً مستحدثاً، فلا بأس. هذه العادةُ والطقسُ ضَرَبَها فحلُ الزمنِ ونَتَجَ منها مالم يُحسبْ له الحساب. استمرَّ الصراعُ بين النهجينِ ومع قدرةِ الخصمِ على الفَتْكِ، كما كان في سنةِ 61 للهجرة، نَجَحَ ما زرعه الحسينُ في ضربِ خَصْمِهِ وتحويلِ انتصارهِ إلى هزيمة.

أشارَ الحسينُ إلى بقاء نَهجهِ ومحورهِ في قبالةِ المحورِ الآخر وكأنه يَسْتَشْرفُ الحاضر. من يَظنَّ أَنَّ الصراعَ كان ظرفياً فهو مخطىءٌ. مشروعُ الحسينُ والمشروعُ المعادي لا يلتقيانِ في القيمِ ولا يقبل أحدهما الآخرَ ويلتحمانِ عسكريًا كلما اقتضت الضرورةُ وتبقى الغلبةُ للقيمِ الإنسانيةِ والمحمدية التي خطَّ لها الحسينُ نهجاً قَبلَ أكثر من 1400 سنة بينما الحصادُ الاخر يشبهُ  الكائناتِ الناتجة من التكاثرِ اللاجنسي التي تتميز بأنها تكون أقلَّ تكيفًا مع البيئةِ المحيطةِ من الكائن الأول، ولذلك توجد بأعدادٍ كبيرة جداً لكي تعوضَ المفقود منها.

رأى رجلٌ أعمى اسمه جابر وقائدهُ عطية القبرَ ومكان الجريمةِ قبلَ ما يزيد عن الألفِ وأربعمائة سنة.، أصرا أن يخرقَا الحصار ويؤبنَا السيدَ الأكبرَ ومن معه بكلماتٍ أسمعت صداها كل مُحِبٍّ فأتوا تباعاً يَملؤونَ الفجاجَ. لم ينسَ جابرٌ أن تضم عباراتُ الرثاءِ الزكاةَ والأمرَ بالمعروفِ والنهيَِ عن المنكرِ والقيامةَ وجِهَادَ الملحدين والعبادةَ الحق، من قَامَ بها ومن أحبها.  رَاعَ ذلك الكثيرَ وحاربوا رفاتَ الحسينِ ولكن ما أعطى الربُّ لا يستطيع الناسُ منعه وما منعَ الربُّ لا يقدر الناسُ أن يهبوا.

ارقد بسلامٍ أيها السيد الحسين. لن تعول هاشميةٌ أو تُسبى بين النواويسِ وكربلاء.
لن يقطعَ الشمرُ رأسكَ
مرتين، لا وأبيكَ لا وألفَ
لا، لن تقطع العسلانُ عضواً
كربلاءُ كلها غدت حسين

كربلاء
20 صفر 1439هجرية

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو فادي
[ القطيف ]: 10 / 11 / 2017م - 5:57 ص
احسنت وتقبل الله أعمالكم .
لانجد في تاريخ الأمم أية حركة إصلاحية أو ثورة تغييرية خلدت عبر الزمن، كما هو الحال بالنسبة لنهضة الإمام الحسين (ع).
إنّ راية الحسين (ع ) ظلّت خفّاقة رغم كل محاولات الطمس والتشويه.ونضل نستمر على نهج الامام (ع )
مستشار أعلى هندسة بترول