آخر تحديث: 5 / 12 / 2019م - 7:16 م  بتوقيت مكة المكرمة

الهروب

يتحررُ الرجلُ من قيود الخوف ويقلِّبُ العالمَ بأكمله في مكانين، الحمَّام والسيارة!

يستفيق بعد أن قضى الليلَ في سكوت، يحلمُ بالسعادةِ ويطلبها مثل جميع الكائنات. يدخل الحمامَ حاملاً همومه وأحلامه، يتقلب من صوتٍ خشنٍ أجش إلى أعذبِ الأصوات، يغني ويرقص ويبكي، حتى صوت الريح التي يطلقها  لا تشبه نغمتها في الخارج. ينظر في المرآة ويمسكُ بشعر شاربين ويجرهما حتى يكاد ينزع الشَعَرَ ويردد مَطالبهُ علناً، يجيبهُ الصدى مَطلباً مَطلباً  ويفرح  بتعاطف الجماد معه. يذكرُ رئيسهُ الذي لم ينصفه في التقييم السنوي ويضع الخطط لمواجهة ذلك الأهوج. يرسم لوحاتٍ من قوسِ قزح ومروجٍ خضراء وشمسٍ هادئة في الربيع وحفيفَ أوراق الشجر، تملأ الأبخرةُ المتصاعدةُ رأسه ويبتدع من خياله كوكباً جديداً يعيش فيه  ليصطدم عند خروجه بكل ما هو العكس. يتنهدُ عميقاً ويتمنى أن الحياةَ هي الحمَّام والباقي خارجه!

في السيارة هو السلطة المطلقة، الخارجية والحرب والاقتصاد والبيئة والطرق والسلامة ورئيس الطائفة. في السيارة كل شيء سوى البقاء في الوحدة والاستماع إلى صوت النفس ومراجعة القيم. يرى نفسه  في نوعها وثمنها ولونها وقوتها ويقطع فيها أميالاً من المسافات ولكن ليس خطوةً واحدةً للأمام نحو الحياة منذ امتلكها. يعبِّر عن أسبقيةِ ظهوره في الوجود بحرصه على أن يكون الأول في الطريق. يرسلُ رسائل التحذيرِ القوية لمن ينافسه ولا يتردد في المواجهة إن لم يستمع لتحذيره، بالطبع لا يغفل رسائل الود لمن يحب. تضغط عليه الظروف الاقتصادية، يخفف السرعة ويقلل من الوقود المستهلك، وعندما تتسع الحياة لا يهم أن يلغي الخطة. يهتم بنظافة دولته ولكن يرمي ما يستهلكه من النافذة وعلى الدول الباقيه الاعتناء به. ينظر من حوله في السيارات الأخرى فيرى جل من فيها غرباء فتمتد يدهُ للحاسبة لتصور المنافعَ والمضار لهذا العدد ولكن لا تعينهُ الأرقام.

في كلا المكانينِ يطرحُ على نفسه أسئلةً جادةً عن مصير الكونِ والدينِ والسياسة وما هو في ذلك ويحلل مراد وهدف الوجود ونظريةَ النشوء والارتقاء وما شكل العالم بعد الانتهاء من الصراعات وفي بعض الأوقات أقل حدة، فقط يفكر كيف سيكون شكل السيارة ونوع وقودها بعد نضوبِ النفطِ الأحفوري وعن ثمنها وشكل الشارع والمدينة وهل سيكون موجوداً ليراها ويقودها وهل سيكون بمقدور أحفاده شراءَ واحدة.

كلُّ ما نفعله سراً يظهر في العلن، يتحول همسُ النفسِ ويتجسد أعمالاً لا يمكن إخفاؤها. في هذين المكانين نهربُ فيهما من الواقع ولكن وقت الهروب لا يكفي للإجابة على من تساؤلاته وتأملاته تضيقُ بها جميعُ الاماكن والازمنة ولكنه يقتنع بأن هناك لا تزال أماكن يكون فيها بين المجد أو التطرف حتى الجنون  بلا رقابةٍ ولا سُلطة، يتمرد فيها كما يشاء ويتعرى دون مواربة...

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
طاهرة آل سيف
[ صفوى ]: 7 / 11 / 2017م - 7:17 ص
هروب الرجل في أماكنه واقعي ، استفزني أن أبحث عن أماكن هروب المرأة ولا أظن أن لها الخلوة الكافية للهروب نظراً لتعبيرها السريع عن دواخلها في أي مكان وأي زمان ?
2
محمد
[ القطيف ]: 7 / 11 / 2017م - 9:26 م
عاده الواحد يفكر في اللي حوله لما يروح ينام...
مستشار أعلى هندسة بترول