آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 6:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

ظل السنين

بدأت الشيخوخةُ تدبُ في فصل الصيف حتى نيسان المقبل.

لكل فصلٍ وحشة ولكن وحشة الصيف يذهبها ارتخاءُ قبضة الشمسِ عن معصمِ الأرض بعدَ طول اشتداد. عحبتُ لمن يرغب في طولِ بقاءه!

يأتي فصل الخريف مقارباً الخطى على استحياء ويستيقظ ما بقي من الشجرِ حياً من شدةِ حر الصيف ويسقط ما عليه من الورق، مخبراً بأن الربيع قادم مهما اشتدت المعاناة، فلا بد من الانبعاثِ من جديد وبذرِ البذور استعداداً لحياةٍ قادمة فليسَ سقوط الورق في فصل الخريف إلا تعبيراً عن تخفيف المتاع لعبور جسرِ الزمنِ الدقيقِ حين قدوم الشتاء.

تمر السنينُ سريعةً مثل ظلِّ الطائر، لا يلبث أن يزول وقد يلقي الطائر بذرقه فوق رؤسنا بدلاً من أن يَقِينا من الشمس بجناحيه، أو تمر كالسحابةِ توقظنا من السبات وتتركَ خلفها ديمةً تسقي الحرثَ وتنفع الناس والأرض، كلاهما لا يطول بقاؤه. امتلأ التقويمُ العربي بذرقِ الطيور، ولكن كلي أملٌ بأن تكون سنة 1438 هـ جرية قد مرت عليك كما عليَّ وتركت خلفها ذكرى سعيدةً وأثراً حميداً.   كل ما نحلم به أن يكون في 1439 الشفاء من جراح ما مضى من السنوات وبالفعل بدأت علامات المستقبل الواعد، ولو أن ذلك مطلبٌ دونه خرطُ القتاد في عالم قبضاتُ المخالبِ وأثرُ المبضعِ لم يدعا فيه مكاناً للمساتِ الأنامل.

لا نستطيعُ التحكمَ في سلوك الطائر في السلحِ أو تشكل السحابِ والمطر، لكننا لو غيرنا من عاداتنا في مكان وقوفنا أو زمانه سيصيبنا أقل مما أصابنا من السلحِ والكثير من المطر. إن أصعب أنواع التعلم هو تغيير السلوك الذي هو أساس الإنسانية وقوامها والذي لا بدَّ لنا من ضبط إيقاعه صغاراً وكباراً في بعده التربوي والسلمي والثقافي والتنموي.

إن التعلم في الكبرِ مثلَ النقشِ في الحجر وليس فقط التعلمَ في الصغر.   ما نتعلم وما نغير من سلوكنا في الكبر يأتي بعد خبرةٍ ويقين بأن العكسَ لم يكن أجدى ويأتي لقناعة أن الأيام والساعات تُستهلك ونواميسُ الكون لا تسمحُ بضمان استبدالها أو شرائها بالمال. يمكننا اختيار الحركة في جميع المحاور وجميع الاحداثيات الكونية  سلباً وإيجاباً ما عدا الزمن فلا بد أن تكون الدالة موجبة ولا يمكننا العودة في الماضي، لذلك نحن أسرع وأقرب إلى النهاية الأبدية منذ أن نبدأَ المسير.

لم نَخلق الوقت ولا نختار كم يعطى لنا ولا نستطيع حتى التعرف عليه إلا بما يدل عليه ولكن لنا التصرف فيما أعطانا الله منه. الوقت والزمن مثل الحب والحياة والموت ليس في اللغة تعريفٌ محدد لهم إلا بالأحداث التي تحصل في أبعادهم. يعرف أينشتاين الزمن بأنه البعد الرابع في النظرية النسبية  وفي الواقع هو البعد الأول في نظرية الكون الجامعة، أزلي الوجود وربما بدأت حياتنا فيه نواةً قبل المهد ولا تنتهي باللحد!

لو عددتُ ساعات ما رأيت مما لا ينفع أو مسح ما لا يفيد أو الرد على ما لا يستحق أو إصلاح ما أفسدتْ، لنسجتُ رقعةً كبيرة من السجاد الثمين وكتبت الكثير من الكتب وتطوعت لخدمة الرب والبشر وبكل تأكيد جنيتُ من المال أكثر. تجادل الإحصائيات في حساب إنتاج الإنسان العربي بين اللاشيء والأقل من الساعة وليس من المستبعد الخلل في الأرقام فمن لا يرى الكادحين الذين يزيد معدل إنتاجهم عن الإنسان في الدول المتقدمة  ولكن بكل تأكيد الأرقام تنبأ عن النوم واللاوعي الخطير في إدراك ما يعنيه الوقت لنا.

يأتي يومٌ تمر فيه كلُّ الطيور وتمطرُ فيه كل سحابة، وتسكنُ كل رياح الشمال، عندها ننام، ولكن قبل ذلك ارفعوا رؤوسكم واذهبوا إلى مدارسكم وأعمالكم وتابعوا أحلامكم. لا تفكروا كيف تسارعت وانقضت 1438 أو ما قبلها، بل احذروا لصوص الزمن، وابدأوا برميِ البذور في وجه الشمس في أرض 1439 وانتظروا أيامَ الحصاد في السنين المقبلة…

ابذروا المحبة تجنوا السعادة

ازرعوا الأحلام تثمر الحقيقة

تمتعوا بكل ما تأتي به الأيام

مستشار أعلى هندسة بترول