آخر تحديث: 26 / 10 / 2020م - 11:40 م

رقصةُ القِرَدَة!

طاهرة آل سيف

كان عالمٌ ذا تسع سنوات مضت من عمري، أقصى حدوده المدرسة وحديقة حيِّنا وثلة من الصغيرات مثلي، عالماً صغيراً لكنه واسعاً كوسع السماء حين احتضنته عيناي، لثمة نظرةٍ واسعة للأماكن والذكريات والأحداث تختزلها الطفولة في داخلنا ونجتاز بها حدود الجسد والعالم معاً! وخُيِّل إلي أن الأغلب مثلي لو زار مدرسته الإبتدائية بعد عشرون عاماً فإن أول ماستسأله ذاكرته هذا السؤال: كأن المدرسة كانت أوسع وأكبر وأرفع من الآن؟

وكذلك حين تسترق أذنيك الصغيرتين سمعاً من أفواه الكبار حول ثرثرات في أحداثٍ خطيرة أو مخيفة، ليلتها تتجافى مقلتيك عن النوم، ولا أدري هل يعود ذلك للمساحات الشاسعة البيضاء في قلوبنا البريئة، فما يحدث حدثٍ ما إلا وتغلغل فيها حتى الأعماق، وأخذ له أبعاداً باطنة فتعيش معنا حتى نشيب ولا نتحرر من الذكرى! أم هي برائتنا التي لم تشوبها قسوة الدنيا بعد ولم تسطو عليها سُلطة الجفاء التي تُفرضها علينا تواتر الآلام والصور القاسية التي نشهدها على امتداد أيام عمرنا المكتوب!.

أياً كان، فأنا أحمدُ البراءة ومالها من يدٍ بيضاء كانت قد سقت فينا منذ الصغر عواطف نقيَّة لم تستطع يدُ الزمان أن تطالها! بالأمس كان وعدُ بلفور المشؤوم قد أتم مائة عام، ولستُ هنا أُحيي مجلس تأبين على قومٍ لفظوا أرواحهم على أثر وعدٍ من نار ودماء، فالكلمات خجلى نحو حرارة نارهم وفوران دمائهم التي ماعرفها إلا هُم، ولا هنا حتى أحثو الغبار عن ملحمة لا أؤمن أنها انتهت بعد! ولكن في ذاك الصوت البعيد الذي تماهى في قلبي الصغير، فمازال يؤذن في أذني مع أوقات الذكرى، فتعرج روحي إلى درب من مروا إلى السماء وثم هبطوا في ليلة الإسراء في أقصى القدس!

ذات نهارٍ مشمس كنا في الصف الثالث الإبتدائي، كانت تجلس إلى جانبي حدثتني قائلة: أنا من فلسطين، فأجبتها ببرائتي وأين فلسطين؟ قالت لي بعيدة بعد الطائرة التي أقلتنا إلى هنا، ولا أدري يومها هل هي تراها بعيدة بهذا المقدار أم قريبة؟، ثم تابعت حديثها الطفولي وقالت لكن والدتي تقول أن فلسطين قريبة كقرب أنفاسنا إلينا!

وأنا أتذكر جيداً أن تلك الطفلة كانت تريد أن تخبر عن شيء حملته في قلبها ولابد لكل من تقابله أن يعرفه، أخبرتني عن ذاك السهم النابت في قلوبهم جميعاً وأنهم حين تركوا أرضهم لم ينتزعوه بعد، هاجروا والسهم شاهد على جرحهم! في اليوم التالي أتت لي بكتاب كان إسمه الزمن الحزين في دير ياسين، كانت تتصفحه وتحكي لي قصته، لكم كانت حكاية ًملْئى بالحب، متخمة بالحزن وفائحة برائحة بعيدة توالف بها الدم والغربة والوطن وكُرْمات العنب وورق الزيتون وثمة دماء على وجنات الأطفال ونجمة إسرائيل تتوسط خوذات على رؤوس جنود وجوههم بدت عابسة، أشارت بإصبعها على تلك النجمة السداسية وقالت لي هذه نجمة إسرائيل لابد لك أن تميزي رسمها إنها مثلث في قلب مثلث مقلوب إياكِ أن تخطئي وترسميها كنجمة السماء، قلت لها ومالفرق؟ قالت نجمة السماء ذات حدود خماسية أو رباعية أو سباعية أياً ما يعجبك ارسميها ولكن لاتقربي هذه السداسية خوفاً أن تخرقي بها قلوب الصغار هكذا علمني أخي الأكبر، ثم تصفحنا الورقات وقلوبنا الصغيرة تتخاطف من صفحة إلى أخرى حتى انتهينا باستشهاد أبطال الحكاية بدمٍ فار في عروق صاحبتي الصغيرة حين أغلقت الحكاية وقالت هؤلاء أجدادي، وهذه حكايتهم! قالت لي تعالي غداً إلى منزلنا سأريكِ شيئاً من هذه الحكاية! قلتُ لها أحضريه إذن؟ قالت: والدي يضعهُ في صندوق ويتفقدهُ حينةً وأخرى، ولايسمح لنا أن نحركه من مكانه، لكني اعتذرتُ عن الحضور لمنزلها الذي كان بجوار المدرسة وقبل أن تودعني قالت إلي: غداً لن أعود إلى هنا سنسافر، سألتها: هل ستعودين إلى بلدكِ؟ قالت: معنا مفتاح الدار، دارجدي في دير ياسين علنا إذا جُبنا الأرض طولاً وعرضاً نعود لفلسطين! هكذا يقول أبي! قبل أن تودعني أحضرت ذات الكتاب وأهدتني إياه، أوراقه قديمة تاريخ طباعته قبل ولادتي حتى، لكن هدية البراءة هذه أدلت بدلوها في بئر عميقة لاقرار لها احتفظتُ بها حتى اليوم! فكان من بطنه أولى الولادات التي تمخضت في ذاكرتي نحو الوجه المظلم في تلك الدنيا البعيدة! صغير ذاك الكتاب وصغيرةٌ تلك الأحاديث ولكن مايقعُ في القلوب الصغيرة أكبر بكثير!

وحين كان درس التعبير بعنوان الوطن السليب، خطت المعلمة العنوان على اللوح الخشبي واستدارت نحونا قائلة: من منكن تعرف من هو الوطن السليب؟ يومها صاحبتي الفلسطينية قد هاجرت إلى وطنٍ آخر أطرقنا جميعاً نفكر ولا من إجابة، حتى قالت المعلمة: فلسطين، فوقع النغم الحزين في قلبي مرةً أخرى حين سمعتُ إسماً آخر لتلك الأرض، وتذكرتُ عينا تلك الفلسطينية الصغيرة وكتابها ومفتاح دارها! وقلتُ في نفسي حمداً لله أنها هاجرت قبل أن تحضر الدرس لربما طار حول أنفاسها رائحة التراب البعيدة وإن لم تتذكرها لطول الهجرة.

وكنتُ كل ماطاف بي طائفٌ من تلك الأرض المغتصبة أقفُ كمن يؤدي طقس سماوي تجاه جرحٍ أبدي، وحتى طافت بي الأيام القريبة قبل عامٍ أو أكثر كنتُ في سياحة لأحدى الدول وأقف على شرفة أحد الكنائس القديمة جداً، على مقربةٍ مني سيدة ألاحظها تتفحصني بنظرةٍ خاطفة، يبدو لي كانت تتأكد من هندامي أني عربية وحين استوثقت من ذلك اقتربت وسألتني: من أين أنت ِ؟ ابتسمتُ وقلت لها بل من أين أنت ِ؟ اعتدلت قامتها وبدت منتعشة واسدلت نظارتها الشمسية عن عينيها وقالت بنبرةٍ فاخرة: أنا من إسرائيل. حينها أحسست أن قاع الشرفة التي أقف عليها قد انحسر وهوى إلى أقصى هاوية والهواء الرخيم الذي كنت استنشقه اختنق برائحة دخان ودم قادمٌ مع إسرائيل تلك التي نطقتها! أردفت قائلة: أنا من تل أبيب أتمنى زيارتكم إلى بلدنا فهي زاخرة بالتاريخ كما يبدو لي تستهويكم الكنائس، فار الدم في قلبي صاح الأذان مرة أخرى مع الذكرى البعيدة استجمعتُ حروفي التي كانت تحتضر وقلتُ لها: عفواً أين أسرائيل تلك لم أسمع بها من قبل، هناك فلسطين وكفى! قالت لي بصوتٍ جاذب وأنا أدلفُ مسرعةً: آمل زيارتكِ في مستقبل السلام لنا جميعاً! كنتُ أهم بمشيتي بعيداً وأنا أتطاير غضباً: أيُّ مستقبل وأيُّ سلام ومواقد هتلر مازالت تتقد آلاماً في نفوسكم فلم يسلم من شررها بشر، بلعنةٍ من السماء تمنيتُ أن تعودوا مسوخاً!

حين أذيع الحفل على شاشات التلفاز كانوا يرقصون على مائة ِ عام من الوعد، لثمة رقصةٍ كانت لمجموعة من المسوخ لفظهم العالم الغربي وأتى بهم يعيثون في أرضنا فساداً، لكنها أيام الله يداولها بين الناس فوعد الأمس ستنقضه يد الله غداً إن شاء!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
هلال الوحيد
[ القطيف ]: 8 / 11 / 2017م - 7:03 م
كل غائب يعود. فقط يجب عليه الحفاظ على المفتاح وعلامات الطريق.
يستاهل القراءة بحق.