آخر تحديث: 14 / 12 / 2019م - 11:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

خام

يعملُ الإنسانُ مثلَ الآلةِ التي يستحيلُ عليها ضبط سلامتها ذاتيًا، هل يساعدهُ ما يخترع من آلاتٍ في جعل حياته أكثرَ سلامةً وصحةً؟ كل هذا ممكن في عصرِ ثورةِ الذكاءِ المُخترع ولكن لن تستطيعَ خلق الإحساسِ والشعورِ وبناءَ الروح؟ تستطيع الآلةُ غسل وجهه وتنظيمَ وقته واختيارَ مأكلهِ وملبسهِ وطبابتهِ وصنعَ قهوتهِ وما شاء، لكنها لن تختارَ أصحابه وما يسمع ويقرأ ويعتقد ويحب ويكره أو تأنيبَ ضميره!

قدم لي صاحبي نصيحةً في الطب وكانت جملةً واحدة، ”ابقَ قريبًا من الأرضِ وتعرف على نفسكَ“.

كلنا خُلقنا من عناصرِ الأرضِ ونعيشُ عليها ومنها وتضمَ رفاتنَا بعد الرحيل، فماذا يعني سوى ذلك؟

يمشي على الأرضِ حافيًا في الطبيعةِ كلما استطاع. لا يعرفُ الكثير عن الطبِّ ولكنه يتذكر طفولتهُ وبراءتهُ وسعادتهُ عندما كان شابًا يجري خلفَ والده في مزرعته يحاكي الأرضَ في ارتفاعها وانخفاضها وانقباضها وانبساطها، يركضُ عندما كان يستطيع ويمشي عندما كان لا يستطيع الركضَ ويقف عندما تستهويه الطبيعةُ في اكتشافِ نوادرها. تجذبهُ الحقولُ والشواطئُ إن سافر، يمشي على أرضها خيفةَ أن يطولَ انقطاعهُ عن التواصلِ معها وتمتلئَ نفسه بشحناتٍ لا يمكنهُ التملصَ منها، يستنطقُ الحر والبرد بقدميه كل ما وطئها.

خلق الله الأرضَ رطبةً وصلبة وقاسية لكن الإنسان في غمرةِ تطوره جعل من طريها عدواً له وصديقاً لتجارِ السياراتِ والقطاراتِ والمراكب الأخرى. عندما تمشي حافيَ القدمين تنتقلُ الاحاسيسُ بكليتها اليك دون واسطة. أنت خام في حالتك الطبيعية والارض خام: كلُّ ما فيك فيها.

يأكلُ أصنافَ الطعام ولم يجد أخفَّ وأصحَّ لبدنهِ مما تنتجه الأرضُ من شعيرٍ وحنطة دون أن يستخلص منها التجارُ تسعةَ أعشارِ فائدتها ويبيعوها له بأضعافَ مضاعفة. يأخذُ ما تعطيهِ الأرضُ من ثمارها الناضجةَ وحشائشها، منها السكرُ والشهدُ والعطرة، فيها طعمُ كلِّ فصلٍ من فصولِ السنة.

المبدأُ الهندسيُ المشتركُ في تصميمِ كلِّ آلة هو مقياسُ الأداءِ أو توازن الطاقةِ في الأنظمة، يعني أن الداخلَ إلى كلِّ آلة من طاقةٍ يُنقص منه ما تحتاجه لتنتظمً في العملِ والباقي يكون المخزون. إن أقدمَ آلةٍ تملكتها هي جسمكَ ولابد لك من التعرفِ على أداءِ تلك الآلة في الظروفِ المعتادة، ما تأكلهُ وما تخرجهُ وما يستهلكهُ جسمكَ من طاقة. متى ما اعتلَّ أحدها فلا بد لك من استشارة. كل آلةٍ لها مقدارُ ونوعيةُ لقيمٍ من الطاقةِ فاحرص على ضبط النوع والكمية. يأتي الناسُ بألوانٍ متعددة في الخارج وألوانٍ مشتركة لما يهضمون ويخرجون من طاقةٍ زائدة، لاحظها وما عدا ذلك لا تصلح شيئًا لم يصبه العطب.

ليس الطاقة فقط لبطنك ولكن لفكركَ أيضاً. يختلف البشرُ عن العجولِ والكباشِ المسمنةِ للذبحِ في أنَّ لها روحاً وعقلاً طافحاً بالفكرِ والعلم. ومع هذا هو أقرب للرقِ والعبودية من الكباشِ والعجولِ إن لم يحسن غذاءَ العقول. نحتاج بعضَ الأحايينِ طوفاناً من الفكرِ الجديدِ القويمِ به يَطهرُ الإنسانُ من أدرانِ الموروثِ الفكري الغث ومبضعاً نقطعُ به التخلف والعصبية.

سكت الرجلُ وقال هذا ما أعرفه عن الطبِّ فلا تسألني أكثرَ من ذلك.

هذا للآلة التي يمكن إصلاحها وأنا آفتي الزمن الذي يهزُّ قاعدتي، كلما تشبثتُ بها اهتزت من تحتي.

أُجربها على كلِّ حال، ”الضرباتُ التي لا تقصم ظهري تقويني“.

مستشار أعلى هندسة بترول