آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 7:39 م  بتوقيت مكة المكرمة

أصنام

تصحو وتفتح عينيك فجأةً، تزدحمُ الأفكارُ مثل أصنامِ تمرِ الجاهلية. تأكلُ بعضاً منها عندما تجوع وترمي ما يعفى عليه الزمن. تتشكل لديك فكرةٌ وعنوانٌ وكلمات. تغفو قليلاً  ثم تنساها لكن الفكرَ متى ما تحرر يصبحُ مادةً لينة يخرجها القلم. ليس كل ما يخرج معرفةً لكن تشكيلهٌ وقولبتهُ امرٌ هين. لن تجد شخصاً يفقد عقله عندما يكبر إن كان يكتب ويقرأ، ترتعشُ يدهُ، تضعفُ عينهُ وتصطكُّ ركبتاهُ لكن لا تضيع بوصلةُ فكرهِ. ليس فيها ثابتٌ سوى واجبُ الوجودِ وهو الموجودُ الذي متى فُرضَ غير موجودٍ عرض منه محالٌ وما دونه واجبٌ وممكن.

تبدأ الكتابةَ، في أولِّ سطرٍ تكتب:

طُمرت كلُّ الخنادق، ماتت كلُّ البنادقِ والمدافع وشُفي كلُّ الجرحى وبُني كل ما هدمتهُ الحربُ وعَادَ كلُّ أسيرٍ إلى أهلهِ وبيتهِ وكلُّ ما نَهَبَ السارقون من المتاحف. توقفتْ أنهارُ الدموعِ والدماءْ.

تقفْ! لو كنتُ نحوياً كتبتُ قبلها ربما ولو كنتُ سياسياً كتبتُ قبلها ريثما.

تحاولُ الشعرَ:

قلْ لي بربكَ هلْ ستسقيني بها؟

روحي وقلبي وعقلي لا يطيقُ لها

بعداً فإن بَعُدتْ يوماً أحنُّ لها

إنّ المحبَّ إذا تَذوقَ شهدَهاَ

يوماً غدا كالطيرِ في شَركٍ لها

لو يعرفُ المُلَّاكُ طعمَ فُراتها

ما نالُ مسكينٌ ثُمالَ زلالها

لا تخبروا العشاقَ إني ملكهاَ

سأظلُّ اخطبُ ودها فأنا لها

بعدَ نصفِ الليلِ خاطبتُ روحي وواسيتها

ما أكثرَ الرزايا ما أكثرَ البلايا كلها تهونْ

خرساءَ صماءَ عمياءَ حُبستِ في جسدي

أرسمُ خطاً مستقيماً في الهواء

أمسحُ السطرَ وأكتبْ

مللتُ الخطوطَ وكلَّ الزوايا

حاولتُ تدويرها ولم أستطعْ

هي زوايةٌ لا أستطيع تدويرها

ذلك فنّ البلادةِ لا أعرفه

ينفرجُ جفني قليلاً، أنصحُ الشيطان كي يكف عن الحروبِ والخطايا وأذكره قول محمد بن حازم الباهلي:

دببتُ أمشي على الكفّينِ المسهُ

كمشي مسترقٍ للسمعِ أسرارا

فمرَّ يمشقُ في قرطاسِهِ قلمي

والليلُ ملقٍ على الآفاقِ استارا

فقال لما انجلى من عينه وسنٌ

وقد رآى تكةً حُلَّت وازرارا

يا راَقِد اللَيلِ مَسروراً بِأَوَّلِهِ

إِنَّ الحَوادِثَ قَد يَطرُقنَ أَسحارا

لا تَفرَحَنَّ بِلَيلٍ طابَ أَوَّلُهُ

فَرُبَّ آخِرِ لَيلٍ أَجَّجَ النارا

أَفنى القُرونَ الَّتي كانَت مُنَعَّمَةً

كَرُّ الجَديدَينِ إِقبالاً وَإِدبارا

كَم قَد أَبادَت صُروفُ الدَهرِ مِن مَلِكٍ

قَد كانَ في الدَهرِ نَفّاعاً وَضَرّارا

يا مَن يُعانِقُ دُنيا لا بَقاءَ لَها

يُمسي وَيُصبِحُ في دُنياهُ سَفّارا

قلمي يسخر مني! تصبحونَ على خير

مستشار أعلى هندسة بترول