آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 8:38 م  بتوقيت مكة المكرمة

من الداخل

ربما لن نحتاجَ إلى كانونٍ في كانون!

هل بقيَ الشكُّ في كلِّ ما نسمعُ حتى نراه، أم هل بقي الشكُ في السمع وانضمت إليه الرؤيةُ سوى الحاضرة، وما نقرأُ دخل عليه الشك! هل ”أما أنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع... الباطل أن تقول: سمعت، والحق أن تقول: رأيت“ نصيحةً سرمديةَ البقاءِ أم مرهونةً بعصرها والأدواتِ المتوفرة في كلِّ عصرٍ لتحريفِ وتزييفِ المعرفة؟

في عصرِ بركانِ المعرفةِ المتناقضة في ضحالتها  وضخامتها وجودتها وغثاها يبقى الإنسانُ هو المسئولُ عما يسمع ويرى ويكتب وينقل. ليس من النافع اعتبار البرنامج التلفزيوني مصدر احتجاجٍ وليس فقط معرفة، أو كاتباً في أحد الصحف المحلية منبعاً للعلمِ خصوصاً فيما يمكن تحريفه.  لم تبق الرؤية على أصالتها في اللغةِ فصارت رؤياً صادقةً وأضغاثُ أحلام، بل أصبحت إمكانيةُ تغيير الصورةِ والكلمةِ أمراً سهلاً ولكن ليس من السهولةِ على كلِّ فردٍ اكتشافه.

أين ما تذهب ترى الرؤوسَ منحيةً تقرأُ شيئاً ما، لكن هل كل مزبورٍ زبور؟ تسعى الأقلياتُ للتصالحِ مع مجتمعها والتعايشِ دون أن تفقد شكلها ومضمونها وفي هذا الضغط يتحاشى الكثيرُ الاطلاعَ على الكتبِ الرئيسةِ في عقائدهم وأخلاقهم وآدابهم وحتى الكتب الجدلية التي تناقش الرأيَ الآخر وتنقضه. طور كلُّ مجتمعٍ خلال صراعه الداخلي والخارجي وفي أوقات الاسترخاء  آلياتٍ للدفاع عن نفسه وإثبات حجته لكي يصمد فكرهُ تحت مطرقة المعرفة ولا يتهاوى تحت ضغط النقد ولا يمكن تجاوز مكنوناتهِ بسهولة.

يجب الاطلاع على أساسياتِ الموروث الخاص من العقائدِ والتاريخِ وتنهداتِ الفلسفة في نواحي الحياة والعادات وما قالته أمنا في الصغر قبل المبادرة للإقلاعِ والإبحار فيما هو أوسع من الخارج. ما لا يجد الطرف الآخر له نقداً واضحاً، إن لم تكن له أمانةٌ ذاتيةٌ سعى إلى تغييره وتحريفه وهذا الجهدُ امتد في العصر الحديث إلى تحريف الرؤية البصرية والكتابة ولم يَبقى شيءٌ لا يمكن المساسُ به سوى ما ضمنه الربُّ وحماه من الزيادةِ والنقصان. يؤمن الكلُّ بأن التاريخَ كتبه الكاتبُ كما يشاء وليس كما كانت الحقيقة ومن يرى الاحداثَ اليوميةَ وكيف تذهب في الكتب وتُدون يوقنُ أنَّ الأحداثَ التي قد نكونُ أنا وأنتَ رأيناها بالعينِ المجردةِ تتغير بعد دقائق وتصبح شيئاً مختلفاً.

لم تعد مصادرُ المعرفةِ الأساسية محتجزةً فليس عليك إمرار الكتابِ مع البضائعِ من الخارج أو إخفاءه تحت مقعد السيارة. من الاجدى النظر إلى الموروث بعين الناقدِ والمتفحصْ ولكن قبل ذلك بعين المتصفح. التنوعُ الفكري قوةٌ لكل المجتمعات ولا يجوز رمي أيَّ شيءٍ منه مادام الناقد بصير. يبقى دور العارف كالطبيب الذي يبين مخاطرَ الدواءِ ومنافعهُ وللمريضِ أخذُ الدواءِ والانتفاعُ به أو توخي الحذرَ منه.

يتيهُ السائرُ في أوديةِ المعرفة ولكن هذا التيه يبقى الخروجُ منه أهونَ من الموتِ في ساحاتِ الجهل. أمةٌ لا تقرأُ تراثها يرقصُ في أفكارها الشيطانُ وكلُّ معرفةٍ يمكن ترتيلُ ايجابياتها وتعداد نقائصها بعد قراءتها من الداخل.  ما كنا نعتقد أنه من حقائق العين والإدراك الحسي الذي كان يسري إلى أذهاننا بصفاء لم يعد كذلك.

مستشار أعلى هندسة بترول