آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 8:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

أشياء

يأتي المطرُ على حينِ غفلةٍ فتستفيق عاطفةٌ خفيةٌ في الطبيعةِ والتربة التي كانت محرومةً من الماءِ وتوحي إلى البذور الغيرَ قادرةٍ على القيامةِ من موتها بالنهوض.

نظن أننا نملك الأشياءَ في حياتنا ونتصرف بها لكن فجأةً نرى بعينِ الحقيقةِ أنها تملكنا وتتصرف بنا. اشياء نشتريها بمالنا، تستهزئ بنا وتسخر منا، نعبدها ونرفعها إلى درجةِ المحبوبِ والمعشوقِ والمعبود.

كان أمسُ يوم مرور سبعٌ وثلاثونَ سنة على زواجي ومن العادة تذكر المناسبة  بشيء من التغيير اليومي قدر ما أمكن.

خرجتُ عصراً في رحلةٍ قصيرة وفي الطريق أدركتُ أنني نسيتُ هاتفيَ المحمول في البيت، فرصةٌ للتركيز في قيادة السيارة  والانقطاع عن الناس ولكن كنت اتفحص جيبي بحثاً عنه كلَّ عدة دقائق كمن يمشي دون سراويله.

عدتُ قُبيلَ صلاةِ المغرب وكان همي البحث عنه كأني طفلٌ وهو مصدر فرحي.  رفعته زوجتي من مكانه في غيابي خوفاً عليه، سقط من يدها وصار به كسر. كان جديداً ولي علاقةٌ به، كلُّ ما اكتب وأحسب وأفكر فيه، هو صاحبُ السفرِ والحضر. أعرفه أكثر من أي جهازٍ أو تقنية أخرى أو صديق. اتفحصه كلما وصلت رسالةٌ مهما يكن محتواها. أخذت في استجوابها وكيف حصلَ ولِمَ وتحولت لشخص فقد شيئا مهماً في حزنٍ وغمٍّ لا استطيع التوقفَ عن اللومِ والمسألة.

حاولتُ إصلاحَ ما انكسر ولكن لا جدوى فازددتُ غماً ونمتُ على كدرٍ بانتظار الثامنةِ صباحَ اليوم التالي للذهاب إلى المختص. طلع الصباحُ وبدأ التعلقُ به الذي خيم على روحي يضعف. جاءت الثامنةُ والتاسعةُ والعاشرةُ ولم أذهب. انتظرتُ وصولَ المساء وانتفت كلُّ الرغبة في إصلاحه، ارتحتُ له في النهايةِ وبدا الخدش زينةً في الآلة.

اشتريتُ قليلاً من الورد لإصلاح ما أعطبتهُ من خاطرِ زوجتي ولم يعد يشغلني أمرُ الهاتف.

منتهى التعاسةِ أنْ امتزجت الآلةُ بالإنسان واتحدت المادةُ بالروح، بل سيطرت المادةُ على الروحِ والعقلِ والمشاعرِ كلها. يسقطُ الجسدُ تحت رغبةِ المادة ثم العاطفةُ ولا يبقى منَ الإنسانِ سوى ما يفرح به من ظن الملكية.

نسيتُ كل ساعاتِ الفرحِ والسعادةِ التي أعطانيها الإنسان الحقيقي، زوجتي، وفي سكرةِ الجهل ذهب شكرُ كل تلك الساعات  لآلةٍ صماء خرساء، لا تفرحْ لفرحي ولا تحزنْ لحزني ولا تمرضْ لمرضي. لا تنبعُ العاطفة من النيلِ أو الفرات ولكن من أعماقِ النفوسِ التي خلقها الربُّ في الإنسان الحقيقي وليسَ سواه.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
طاهرة آل سيف
[ صفوى ]: 23 / 11 / 2017م - 2:51 م
لكم كان عجيبٌ أمرُ الروح حين كانت في الخفاء قوية وكم كان غريبٌ أمر المادة حين كانت في الظاهر قوية ولكن لاتقوم لها قائمة من غير الرُّوح ، عيد زواج سعيد
مستشار أعلى هندسة بترول