آخر تحديث: 5 / 12 / 2019م - 8:30 م  بتوقيت مكة المكرمة

حفلةٌ في الحَمَّامْ

سافر أحد الأصدقاء في صغره إلى دولةٍ عربية واستأجر أهلهُ شقةً فوق الدار التي يسكنها مالكُ المنزل. كانت الشقةُ صغيرةً، حجرتين، بهوٌ ضيق وحمامٌ صغير عند آخر الدرج الذي كان آخذاً في الارتفاع ولا يتسع لكامل قدم من يطأه. لم يكن في الحمام ماءٌ ولا بد لمن يدخل أخدُ إبريق ماءٍ ولم يكن ذلك سهلاً لضيق المكان. كانت الكهرباء تأتي وتذهبُ وقت ما تشاء دون أن يعرفوا متى تحل ومتى ترحل، يستجمع قواه في الشتاء ليرقص طلباً للدفء حالما يرش الماء على جسمهِ. يبتسمُ صاحبي ويختصر الحياةَ فيها بصداعِ اليوم التالي. مرت الأشهرُ ببطءٍ قبل أن يعود لبلده وبيته.

أتحفني بعينةٍ من تلك المعاناة على ما فيها من طرفه.

دخل الحمامَ وعند خروجه لم تثبت قدمه على الدرج، تدحرج واحدةً واحدةْ حتى الباب الخارجي. قامَ وانكسر الإبريقُ لكن بقيت أضلاعه سليمة.

زارهم ذاتَ يومٍ جارهم الذي كان سبقهم لدراسة الحقوق واستأجر المنزل المجاور، هو وزوجته وابنه الصغير. جلس الرجل معهم وزوجته وابنه مع عائلة المالك. طلب من صديقي الصغير إحضار مفتاح بيتهم الذي تركه معلقاً في ساحة المنزل وإغلاق الباب. أسرع صديقي وكان عليه دخول الحمام. وجد المفتاح ومع دخوله الحمام في منزل الجار انطفأت الكهرباء. خاف الصغيرُ وأسقط المفتاحَ في المرحاض. عاد إلى المنزل وادعى أن المفتاح لم يكن موجود. أوهمه الرجلُ وزوجته أن أحداً ما ربما سرقَ المفتاحَ ليقوم بسرقة البيت في وقتٍ آخر. بحثوا عن المفتاح في كل أرجاء المنزل ولم يجدوه ثم استدعوا النجار وغير القفل.

يلتقي الرجلان الآن ولا أحدَ منهما يخبر الآخر بما علم. فَطِنَ الكبير أن الصغير أضاع المفتاح ولم يشأ أن يسبب له حرجاً واستحى الصغيرُ بعد كل تلك السنين أن يخبرَهُ أنه أسقط المفتاحَ وتبقى ابتسامتهما تنبأ بما في نفسيهما من سر.

زار الصديقُ الزقاقَ الذي فيه البيتين. كبر الزقاقُ وما حوله خمسونَ سنةً. تذكر ما حدث له في صغره فخاف إن هو طرق الباب واضطر إلى دخول الحمام أن يسقط أو يضيع المفتاح. لم يطرق بابَ الدار ولكنه كتب عليه ”كنتُ هنا صغيراً  قبل خمسين سنة وسقطت من الدرج. كنت أنا والحمام صغيرين. أنا  كبرت خمسين سنة، هل كبر الحَمَّام؟ هنا لي ذكريات“

لن يتذكره أصحابُ الدار، ربما رحلوا كلهم، الأبُ والأمُ والبنتُ والصبيين ولن يكبر الحَمَّام. تلك البلدان مرت عليها حروبٌ أضافتْ إلى بؤسها المادي بؤساً إنساني. نهشتها الحروبُ مثل الكواسر وأجبرتها على أن تكون صفحةً في كتاب التاريخ.

حياةٌ كنا نظن أنها اختفت لكنها عادت معجونةً بالمرارةِ لكثير من الشعوب.

مستشار أعلى هندسة بترول