آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 11:08 ص

استريح

هل لي وأنت تقرأ هذه الحروف أن أطلبَ منك أن تخلعَ أثواب التعب، تستريحَ وتستمتعَ بهدوء الطبيعة. القلقُ يهبط بالقلوب والعقول من قممِ الأداءِ إلى أعماقِ لجج الإحباط. متى ما استراحتْ نفسك كأنما أنت في أول فصلٍ من فصولِ الروحِ والحياةِ اقرأ كلماتي وإلا فلا.

يبحث البشرُ وجميع المخلوقات عن الراحة بكل معانيها وتختصرها ثقافتنا في فعلِ أمر ”أستريح“، أو استرح.

ما أجملها من كلمةٍ ولكن ليس كلُّ ما يلمع ذهباً. لا بد أن تلحظ المكان والزمان ونبرةَ الصوتِ عندما تسمعها.

صغيراً، كنت اسمعها من أمي عندما أعود من المدرسة بكلِّ رقةٍ وحنان بما يعني لا بأس عليك، اخلع الحقيبةَ عن كتفك، الطعامُ جاهز وكلَّ معاني حب الام. إن علت حدة الصوت تغير المعنى بما يمنعني من القيام بما لا ترغب أمي فيه.

ارتقيتُ في درجاتِ العمر قليلاً، تزوجتُ وكنت مشغولاً في عملٍ يومي واسبوعي كما كل الناس. الحَدْتُ أمي في التراب فكانت زوجتي بانتظاري عندما أعود وكم كان التشابه في لُطفِ الكلمةِ ورقتها. ”استريح“ من معاناةِ العمل وحرارة الشمس ولك كلُّ الشكرِ على ما تتحمله من أجلنا نحن العائلةَ الصغيرة. كلمةٌ تستثمرها عاطفتي وتكونَ وقود اليوم التالي.

ترتفع النبرةُ بعد عدةِ سنواتٍ عندما أزور المحكمةَ، دائرةَ الجوازاتِ، المرورَ، كل مكاتب القرار ورئيسي في العمل، الكلمةُ تعني خذ دورك في الحياة، عليك عمل هذا أو إصلاح ذاك وفي كثيرٍ من الأحيان الانتظار مع المساءلة وطلب الإذعان للسلطةِ والقوة وقلما أخذت غير هذا المعنى. كلمةٌ جافةٌ وجامدةً تشبه الكرسيَّ الذي أستريح عليه.

يلازمني هذا الطلبُ الجميلُ أكثر هذه الأيام فلا أكاد أدخلُ دكاناً أو مجلساً أو بيتاً إلا والكلمة تسبقني.

في هذه الحالة يفترض من يطلب مني الراحة أنني إما متفرغٌ ومتسكعٌ أو متعب. هنا الكلمة تتحول إلى كرسيٍ يُقدم لي وربما إهمالٌ إن جلستُ على الكرسي يتحول إلى دقائقٍ بلْ ساعةً أو ساعاتٍ في بعض الأماكن.

ربما انعكست خطوطُ الزمن وأثرُ السنين قليلاً أو كثيراً عليَّ كما يراه الناظر ولكن شكراً لكم كلكم. من قال لكم أني أود أن أستريح. أنا مخلوقٌ يحب التعبَ والعمل. أنا مخلوقٌ عندي وقتٌ قصيرٌ في هذه الحياة وعلى هذا الكوكب. أريد أن أترك أثراً قبل أن أستريحَ طويلاً دون إرادتي أو استشارتي وتسكن عاصفتي. أما الآن فلن استريح! لو استراحت الشمسُ لم ندفئ ولم نستفد من طاقتها ولو استراح القمر من الظهور لم تكن لدينا رقة التشبيه به في الشِعْرِ ولم نُشعر بسكينةِ الليلِ ولقاءِ العشاق فيه.

اقتربي أيتها الراحة، أنا مشتاقٌ إليك، أنتِ والسكينة.
اقتربي، حدثيني عن آهات الزمن.
اقتربي عندما أدعوكِ أنا وليس عندما يدعوكِ الناس نيابةً عني.

مستشار أعلى هندسة بترول