آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 11:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحجر والصبي والبحر

انا وصديقي كنا صغاراً نزورَ البحر للعبِ على ضفته. كانت لعبتنا الفضلى أن نرمي الحجرَ عندما يكون البحر نائماً. نرى من يرمي الحجرَ الأبعد ويزعج البحرَ أكثر. هل كان البحر يسخر منا ومن احجارنا؟ من يدري لعله كان يستأنسُ بها! يستيقظ البحرُ قليلاً مع كل حجرٍ موجةٌ صغيرة، يتثاءب ثم ينام. نتعب نحن الصغارُ وبعدها يستيقظ البحرُ مثل البركان، ترتطم امواجهُ بصخورِ الساحلِ تكورها وتقويها.

هكذا هي المجتمعات الكبيرةُ والواثقة بما عندها من إنجازاتٍ تشبه البحر، لا يضرها حجارةُ الفكر مهما كثر الرماة. الحجرُ لم يقتل الصبي ولم يطمرِ الحجرُ البحرَ. كان شرط اللعبة الأوحد ألا نرميَ  في البحرِ ما يطفو وكلُّ الفكر الإنساني لا يطفو. لا يعرف البحرُ ما يضره وهو يعتمد على الرامي ولكن المجتمعاتِ الواعيةِ تعرف تنقيةَ وتشذيبِ وتشخيصِ ما هو عينُ ضررٍ وما سواهُ يبعثُ فيها الحياةَ والنشاطَ ولا يجب أن يمنع الناسُ راميَ الحجر.

عندما يجيء المساءُ ولا نستطيعُ الوصول إلى البحر كنا نقصد عيونِ الماءِ الدافئة في أيام الشتاء كهذه. كنا نرمي الحجر ويحدث موجةً قويةً ويؤذينا. لا يعجبنا اللعبُ والحجر يضرنا. نبقى في الماء نلعبُ ونتراشقُ به. الحجر نفسه والصبي نفسه ولكن كميةَ الماءِ وصغر المنبعِ وقوة الموجة يفسدُ اللعبَ ويقتلُ المتعةَ.

يجب على المجتمعاتِ أن تكون مثل البحر وحتى المحيط إن استطاعت. لا يطمرها الحجر ولا تنتقم من حركةِ ولعبِ البشر على الشواطئ، شرط أن يتمتع البشرُ بعقل البحر الذي يأتي لهم بالحياة وإن حاولو قتله. تسير الإنسانيةُ نحو الموت والفناء الفكري ثم الموت الكلي عندما تزعجها حجارة الفكر التي تَبني ولا تزعجها حجارةُ الحضارةِ التي تتهدمُ وتتكدسُ من حولها.

من الثابتِ في قوانين الطبيعة أن الشيءَ الساكنَ يظل ساكناً إلا إذا دفعه للحركةِ مؤثرٌ آخر ويظل في حركته حتى يفقد تأثيرها أو يتحرك للأبدِ إن لم يوقفه شيء. حجرُ الفكر يدفع ماء المجتمع جانباً وتتكون الدوائرُ صغيرةً أو كبيرةً بحجم الفكر فإما ينكسر عند ارتطامه بالماء أو تأخذه الجاذبيةُ إلى قاع البحر.

يقسو البحرُ على مرتاديه أحياناً كما قسا على أبي وأقرانه عندما كانوا يدخلون إلى أعماقه ويأخذون من كنوزه وطاقته. يعاقبهم بموجةٍ أو عاصفةٍ  تكسر أحلامهم وآمالهم وتصرفهم آسفين ولكنهم لم يستطيعوا العيشَ دونه. ثنائية تشبه الفرد والمجتمع الذي هو منه، يحمل كلٌّ منهما للآخر ما لا يطيقه من الحب وقوة الاتحاد عند ارتطام الحجر.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
نبيل المرزوق
[ المنيرة ]: 7 / 12 / 2017م - 9:36 ص
كلام جميل جدا،
قد بحرنا في مقال يشدو ويطرب
مستشار أعلى هندسة بترول