آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 8:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

أبيض وأزرق

أضفت إلى مهاراتي القليلة في الأسابيعِ الأخيرة إعداد إفطار يوم الجمعة الذي يلازمه الخبزُ البلدي العتيق. اذهب لإحضاره في السادسةِ صباحاً حيث خَبَّازُ الْحَيِّ القادم من بعيدٍ قد بدأ للتو في إعداده، أما الإفطار فلا بد أن تكون متمرداً على حاسةِ ذوقك  لكي لا تشتهيه.

في ذاكرتي خبازي تاروت الذين كان عددهم حوالي العشرة كلهم من أبناء البلد. ليست هذه المهنة فقط التي أوكلناها للأجنبي، بل كلَّ المهنِ والمهاراتِ الفردية. قد يبدو أن المشكلةَ فقط اقتصادية ولكنها في الواقع مشكلةُ معرفةٍ عندما يفقدها الفردُ والمجتمعُ فلا يستطيع القيام بأيٍّ من أعماله الهامة. كان العامل المَحَلّيّ من كل قريةٍ ومدينةٍ يقوم بما يحتاجه الناس في المكانِ والزمانِ من أعمالٍ كانت بلا شك أقلَّ تعقيداً وكلفةً مما هي عليه اليوم. جاء المالُ وجاء العُمَّالُ من الخارج وانحاز الناسُ إلى الياقاتِ البيضاء ونعومة اليدين بدلاً الياقاتِ الزرقاء.

هل خطر في بالك لو اختفى الأجنبيُ فجأةً وأصبح غير موجودٍ أنك لن تأكلَ ولن تشربَ ولن تلبسَ ولن تعملَ وربما لن تسكنَ وإن سكنتَ لن تخرجَ من بيتك بل ربما تموت بدون وجود الأجنبي. فقط الق نظرةً على احتياجاتك اليومية ولعلك تضيفُ شيئاً أو أشياءً لن تقوم بها دون وجوده على ما ذُكِرَ. ليس من المنصفِ ألاَّ يكون هناك عمالٌ مختصون من خارج البلد فلن يتمكن أيُّ أهل بلدٍ من أداء أعمالهم بأنفسهم والنواميسُ الطبيعيةُ تقتضي أن يكون البشرُ بعضهم سُخريّا لبعض ولا يوجد أي مجتمعٍ شرقي أو غربي لا يحتاج فرداً من غير جنسه.

ابتداءً من مطلع سنة 2018م سوف يختفي سائقُ العائلة الأجنبي فهل يعود البناءُ والسباكُ والنجارُ والفلاحُ والخياطُ وغيرهم من ذوي الياقات الزرقاء من أهل البلد؟ مهنٌ كانت موجودةً كلها بـِقـَدَرٍ بسيطٍ من الكفاءةِ والجودة وكان المطلوب تطويرها لا تركها والاعتماد على الأجنبي.

يقول المثلُ من رَحِمِ الحاجةِ يولد الحلُّ فما هو الظرفُ يا ترى الذي تحته يستعيدُ المجتمعُ بعضَ ما فقده من معرفةٍ واستقلاليةٍ في القيامِ بمهامه وتقويةِ وتنشيطِ دورتهِ الاقتصادية؟ ربما أفضل الظروفِ هو الفترةُ التي يستطيع فيها المجتمع إِبْتِدَاعَ الوسائل الناجعة للتدريب وممارسة مختلف المهارات  قبل أن يكون هناك عاملُ الوقتِ وضائقةُ الإقتصاد.

ربما يتصور من يعمل بيديه أن الناسَ تنظرُ إليه أنه صاحب يدينِ ملطختينِ ووجهٌ قذر ولكن الحقيقةَ أن الناس تحترم هذا العامل وتحتاجه وتشجعه وهناك مهنٌ كثيرةٌ يقومُ بها العاملُ بأجرٍ منافسٍ وأفضلَ من موظفٍ رسمي لدى شركةٍ أو مع خدماتِ الدولة. كثيرٌ من الحرفِ اليدوية حِرَفٌ جميلةٌ ويمكن لمن يمارسها التدريب والإبداع فيها كنوعٍ من الفن لا يتقنه إلا القلّة. هناك بونٌ شاسع بين مهنِ العصرِ الحاضرِ وما في الطرفةِ العربية التالية ولكنها تحملُ دلالةً على شرفِ ورفعةِ العامل:

رأى الأصمعيُ كناساً يكنس كنيفاَ وهو ينشد:

وأُكرم نفسي عن أمورَ كثيرةٍ

ألا إن إكرامَ النفوسِ من الفضلِ

وأكرمُ نفسي إنني إن أهنتها

وحَقِّكَ لم تَكْرُمْ على أحدٍ بعدي

قال فقلت له: يا هذا إنك والله لم تترك من الهوانِ شيئاً إلاّ فعلته بنفسك مع هذه الحرفة، فقال: بلى والله إنني صنتها عما هو أعظم من هذا الهوان، قلت: وأي شيءٍ هو؟ قال: سؤال مثلك، قال: فانصرفتُ عنه وأنا أخزى الناس.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
طاهرة آل سيف
[ صفوى ]: 6 / 12 / 2017م - 11:16 ص
لطالما تخيلتُ في عدة مرات أن يُقدم خبزنا بأيادي البلد أن تُبنى منازلنا حجراً حجراً بأيادي البلد وأن تُنظف طرقاتنا بأيادي وافترضتُ أنه سيكون حينها كل ما نعايشه مقدم بحبٍ وطني لا على أيدي أجنبي قدم من أقصى الأرض يلفظُ تعبه على أرضٍ غير أرضه لاشك أن اللُّحمة بينه وبين مايقدم ستكون هشة وقابلة للتلف في معظم الأحيان ، ولكن السؤال هل هذه المهن تؤمن رزقاً في هذا الزمن ؟
2
نبيل المرزوق
[ المنيرة ]: 7 / 12 / 2017م - 9:16 ص
ذكرتنا بالماضي الجميل، لا أعلم هل الماضي هو الجميل ام ان الجمال في ماضيه.
تطور الزمن وتغيرت الظروف، والأولويات اصبحت مختلفة فما كان ممكن سابقا اصبح صعبا ان لم يكن مستحيل في حاضرنا ونفس السياق للجيل الذي يأتي بعدنا.
مستشار أعلى هندسة بترول