آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 8:38 م  بتوقيت مكة المكرمة

الجذور

ننبشُ جذورَ أسرارِ الماضين كلما جاءت الأيامُ بما لم نحسب له حساباً من رياحِ المعاناة أو حين نريد أن نتعلم من تجربتهم. لم يعش جدي لأراه وكنت اتخيله دائماً كلما حكى والدي عن صلابته ومعاناته وهو لابد كذلك حيث حيث عاشَ في ظروفٍ كانت شحيحةَ المواردِ سوى ما كانت تجود به الأرضُ ويزخرُ به البحر.

ما يأكله الناس كان معروفاً كل يوم ومع ذلك لم يشتكوا أو يتذمروا ولو فعل أحدٌ  لن يحصل على شيءٍ آخر.

لم يدخر الناسُ في منازلهم ما يأكلونَ لأيامٍ أو أسابيع بل كانوا يشترون ما يحتاجونه كل يوم. لم تكن الكهرباءُ والمبرداتُ متوفرةً حينها ولم يسمح الوضعُ الاقتصادي للناسِ بشراءِ أكثرَ مما يحتاجون سوى لمدةٍ قصيرة، حتى الباعة كانوا يغلقونَ حوانيتهم بعد العشاءِ إلا القليلَ منهم يبقى بعد ذلك الوقت.

يستيقظُ أحد الأطفال مع الفجر ثم يذهب للخباز وينتظر دوره لشراء خبزٍ بريالٍ واحد، عشرةُ أقراص. قد يطول الانتظار حتى طلوع الشمس في الشتاء وحين يأتي الخبز كان معه كأسٌ من الحليب. لم يكن الأكلُ وافراً أو متنوعاً ولم يكن في أرفف المنزل والثلاجات. كانت المدارس تبيع الكعك والمشروبات الغازية ومن معه نصف ريالٍ كان باستطاعته شراءَ واحدةٍ من هذا وواحدةٍ من ذاك. الكثير ممن لم يكن يمتلك النصف ريال يتلهى بلعب الكرة تفادياً للحرج أو لكي يمر الوقت. كان في خارجِ المدرسةِ بعض الكسبة الجوالة يبيعون اللوبياءَ والحلويات ومن عنده قرشين يحصل على كوبٍ من اللوبياء أو بعض المثلجات المصنعة في المنزل.

لو عاشَ رجالُ الأمس اليوم لاتهمهمْ الناسُ بالعنصرية، كان الرجال يأكلون الغداءَ والعشاءَ مع الرجال والصبية الذكور والنساء مع النساء والبنات ولكن ليس سوى التقنينَ في مواردَ كانت غيرَ كافية. لا أحد يتخلف سوى من كان مريضاً أو في الخارج وكان المثل السائد ”لا أحد يَعيف عشاه إلا لعلةٍ في حشاه“. حصيرةُ من النخل كان يوضع عليها الصحنُ ثم يلقى ما بقي عليها للدجاج أو الطير. لا يُتخمُ الصغير ولن يكون وزنه أكثرَ مما يجب.

لم يضر الصغير أن يشارك في اقتصاد الشِدَّةِ والعمل حينما تستدعي الحاجة وهكذا هي الشعوب غير المترفة فعندما يكبر تكبر معه روحُ المثابرةِ والعزم ويعلم أن الاتزانَ في كل ما تطلبه الحياةُ من اقتصاد الطاقة والتعليم والمسكن والملبس وغيره هو ضرورةٌ لا بد منها ومدخل المعرفة إلى عقله يكون عن بطنه وعندما كان عليهم ملأَ بطنِ الطفلِ أو عقله اختاروا ملأ َعقله.

لم يكن الماضي أجملَ أو العيشَ فيه أسهل ولكن بعض الدرس ينفع في الحاضر. لايعيش الإنسان ليأكل وإنما يأكل ليعيش والنفس وما عودتها. لا يُعِد الناسُ سوى ما يستهلكونَ من الطعامِ ولم يستطيعوا المبالغةَ في الأصنافِ والأنواع  حتى يحتار الإنسانُ ما يأكل مما لا يعني سوى وفرة المال. ما تأتي به الأيامُ تذهب به ولن تبقى كلها رخاءً فترك الحنطةِ في سنبلها سوف ينفع في يومٍ آخر. مرت عشراتُ السنين من الرخاء لم يشكرها الناس وربما تهبُ رياحُ الرخاء ناحيةً أخرى.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 3
1
طاهرة آل سيف
[ صفوى ]: 17 / 12 / 2017م - 12:12 ص
(لم يكن الماضي أجمل ولا العيش فيه أسهل ) عبارة صادقة يخفيها كل من حكى لنا حكايات عن ذلك الزمن الماضي ، حتى ارتسمت لنا صورة معتمة عن يومنا وغده ، وتمنيننا العيش في ذلك الزمن ، ولا أدري هل سنحكي لأولادنا مثلما حكى لنا الآباء والأجداد ونخفي بعضاً من الحقيقة! أُفضل أن أحكي لهم العبرة وأدعهم يصنعون الذكريات
2
نبيل المرزوق
[ المنيرة ]: 18 / 12 / 2017م - 10:09 ص
نعم مثل ماذكرت "لم يكن الماضي أجملَ أو العيشَ فيه أسهل ولكن بعض الدرس ينفع في الحاضر". الماضي لايعدوا جميل بذكرياته ونستأنس بالحديث عنه حيث الذكريات والهموم فيه مشترك بين الجميع.
3
كمال بن علي آل محسن
[ القطيف ]: 19 / 12 / 2017م - 10:00 ص
مقال رائع !
مستشار أعلى هندسة بترول