آخر تحديث: 14 / 12 / 2019م - 3:10 م  بتوقيت مكة المكرمة

يد من الغيب

زارني صديقٌ من شباب اليوم مشتغلٌ بدراسةِ درجة الدكتوراة في جامعة ستانفورد في هندسة البترول وكان لديه كَمٌّ كبيرٌ من الطموحِ والفرح والتعب والتطلع نحو المستقبل وآراءً عن الفكر والقراءة والبحث والدراسة وعن الحياة في المجتمع المختلف. تجربةٌ أضافت له في سنة ونصف حلماً لبناء غدٍ أجمل لنفسه ومجتمعه وبكل شرفٍ لوطنه. لابد للعالم العربي إنشاء مراكز علمية تنافس الصروح العملاقة تخرج بها من الشرنقة والغلاف التقليدي في التعليم إلى عالم البحوث والإنتاج والمنافسة العلمية والصناعية.

تفرح عندما ترى انك لم تزل في ذاكرة شخصٍ في الحياة وتكون على قائمة من يتصل ومن يلتقي به وأن يرتقي إنسانٌ كان يعملُ في فريقك  وتعتبره إنجازاً تود لو أنه يكتب على شاهدك يوماً ما.

كم يكبر الإنسان ويكبر فكره عندما يحظى بالرعاية اللازمة من الانفتاح على التعلم! ليس هناك أمةٌ أرقى من غيرها ولكن هناك أمةٌ تعمل وتحصل على فرصةٍ أفضل من غيرها. نتذكر أن ما يصعب من مسائلِ الرياضيات والفيزياء كان يسهل علينا إيجاد الحل مع ضعف اللغة الإنجليزية وكان الطالب الأمريكي يتعجب لسرعة ودقة الإجابة ولكن الفارق بعد ذلك أن الفكر في الخارج يُبنى عليه عملٌ وتقنيةٌ واختراعٌ والآخر يبقى فكراً شخصياً غير مؤسسي يتيماً دون تبني وليس قصوراً في العقل العربي عن الاتساع للعلم وتطبيقاته. كانت لائحةُ الدرجاتِ وقائمة المراكز الاولى في الجامعة من نصيب غير الأمريكيين من العرب ودولٍ أخرى وكانت مؤسساتٌ أمريكية حكومية وتجارية  تبعث للمتفوقين رسائلَ ترغبهم في الانضمام إليها والعمل معها وتحمل كلفة تعليمهم في الجامعة.

يولد الإنسان ضعيفاً أشد الضعف واشد الضعف لا يحتاج سوى قليلاً من القوة لتدفعه إلى القيام والحركة ومتى ما تحرك يحتاج إلى قوةٍ خارجيةٍ دافعة تتغلب على قوة الاحتكاك الشيطانية والمعاكسة لتبقيه متحركاً ومنتجاً. خليقٌ بالمجتمعات والدول العربية أن تخالف قوانين الفيزياء في استحداث طاقةٍ  ذاتيةٍ  تمكنها من الاستمرار في الارتقاء بأن تضع رجلها في ركاب الحركة.

نأمل أن نرى دخانَ المصانع والمعامل ونسمع أصوات العاملين فيها لنتأكد أن السطور التي تعلمناها والصفحات التي قرأناها في المدارس والجامعات سرت على الأرض صناعةً وبناءً ومستقبلاً يحمل شعلاتِ الدفء والطمأنينة. لا يجب أن يمر الوقت ونحن نرى ضبابَ الحاضر ولا نبصر أشعة الخروج منه.

يعمل الفردُ لتحقيق ما يحلم به ويحتاج الفردَ الآخرَ والمجتمع لمد يد العون له ويحتاج المجتمعُ مؤسساتِ الدولة والكل عندها تمتد إليه يد الغيب ليتمكن الجميعُ من عزفِ نشيدَ عمارةَ الدنيا ونزرع بذور الحياةِ في انتظارِ أيام الحصاد.

مستشار أعلى هندسة بترول