آخر تحديث: 14 / 12 / 2019م - 3:10 م  بتوقيت مكة المكرمة

غربة دار

مرت أعوامٌ مذ قمنا بإصلاح ما خربته الأيام من منزلنا  فكان لزاماً أن ننتقل من حجرة لأخرى.  انتقلنا إلى حجرة تبعد أقل من أربعة أمتار ولكن الإحساسَ بالغربة كأنما يقاس بالأميال. تغير كلُّ شيء في ما اعتدنا عليه من مستلزمات الحياة التي كانت تفيضُ علينا الشعورَ بالاستقرار والأمان، كل هذا بوجود زوجتي التي كانت تعمل كمنظمات الإغاثة الإنسانية في حال الأزماتِ التي لا بد منها ولكن ما دخل مبدأُ المصالح المشتركة والمتبادلة في شيء إلا وأفسده.

إن لكل جديدٍ في حياتنا طلاوة  إلا جديد الغربة  والهجرة فليس له طلاوة، بل علقماً إن كنتَ مضطراً إليها. غربتنا الرمزية ومشقتنا لن تطول ولكن ياترى كيف بمن تغرب من أو في الوطن بكليته  فلم يعد يسمع جلبةَ ناسٍ اعتادها وسحرَ حرارة ترابٍ لم يعد يمشي عليه! والأنكى أن تضيف إليها في عالمنا المجنون غربةَ الفكر، حينها تكون الحياة بأجمعها بحرٌٌ من الغربة!

في شهر كانون الأول/ديسمبر 1996م كنت أمشي مع امرأة في العراق في عهد حكم صدام حسين وكان الزمن وأحداثه يستجلب الأحاديث ولم يكن غيرُنا في الطريق، أحسست بشيء من الراحة في الكلام عن شؤون العراق فالتفتتْ لي بشيء من الانزعاج وقالت بكل خوف ”لا تكثر الكلام فأبناء الظلام كثيرون ولا تدري من أين يظهرون“. الله! كم أذهلني غربتها في وطنها. كيف لا تكون وابنها وزوجها كانا محتجزان وكم في العالم مثلها غريبٌ في وطنه.

ليس الغريب من ترك داره ليومٍ أو يومين ولكن الغريب الذي:

لا بد أن يخرسَ  حينَ الكلام

ويغمضَ عينيه حتى في القيام

له من أمره على أي جنبٍ ينام.

يسأل الناس لما الحزنَ في الذكريات

ولا تذكر الحلوَ مما صفا والمدام

فقلت صيام أم المسيح ثلاثاً

وطولٌ صوميَ أنساني الكلام

متى يمطر الحزنُ شآبيبَ السلام!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
نبيل المرزوق
[ المنيرة ]: 27 / 12 / 2017م - 10:06 م
نسأل الله الأمن والأمان، فبدونهما الانسان هو في غربة
2
طاهرة آل سيف
[ صفوى ]: 28 / 12 / 2017م - 12:18 ص
الغربة أخت الوحدة ، وأشد ماتكون حين تصيب فكر الإنسان ، مقال رائع حقاً
مستشار أعلى هندسة بترول