آخر تحديث: 26 / 10 / 2020م - 11:40 م

سحرُ القراءة

طاهرة آل سيف

كانت أمي إذا أقبلت على قراءة كتابٍ ما أقبلت معها كلُّ حواسها، فلا تسمع إلا وقعُ الورق حين تُقلِّبُه بين يديها، ولاترى إلا الخيال الذي أراد لها كاتب الكتاب أن تراه.

وكنتُ أمسك على ثرثراتي الطفولية حين تمسكُ أمي كتاباً، ثمة حرمة للكتاب وعالم ساحر لايقبلُ التأجيل فأقف في انتظار أن تقلب الصفحة حتى أحادثها، وكم أغراني عالم السحر الذي تدخله أمي في كل مرة، حتى طمعت نفسي في السطوة على جميع كتبها، علِّني أطلِّع على مالم أستطع له صبراً، لم تكن مكتبة أمي كبيرة، لكنها تكفي أن تبلِّغُنِي من الأدب والدين والقصة والعلوم والتربية واللُّغة مايُثري هويِّتي.

وكم كانت علاقة بليغة التي تربطها بالكتاب حين تكتب اسمها وتاريخ اقتنائها للكتاب على غرة الورقة البيضاء في أوله، وكأنها تخبره بتاريخ ولادته في عالم السحر خاصتها، وتطمئنه بأنه تحت رعايتها إذا استند على أرفف مكتبتها.

لم تهدِني أمي كتاباً يوماً ما، لكنها أهدتني فناً يثني انعطافات الحياة حتى أرضى فتغلبني جولات وأغلبها جولات، ورداءاً ألبسه بخفة كلما أردتُ أن أسافر عبر الزمن، سواء أكنت في حديقة بيتنا أو على سريري في هدأةِ الليل، أجدُ نفسي أنتقل لأحد العوالم التي تختبيء بين أسطر الكتب، سالفها وحاضرها، هزلها وجدها، أدبها وعلمها، فأرى الشريف الرضي يجمع خطب البلاغة للإمام علي ويخطها بنهج البلاغة، أو أرى عباس القمّي وهو يروح ويغدو على المطبعة حتى يفتح لنا أرواحنا في مفاتيح جنانه، أو أرى المنفلوطي بشاربيه العريضين يحمل بين ذراعيه كتبه يغدو إلى الأزهر ويتحلق حول المعلمين ويروح في المساء يغلق بابه في قريته يخلق الصور بالأحاديث ويخلق الأحاديث بالكتابة، ويسكبُ مشاعره في سيلاً جارفاً من الإنسانية فأبكي مع عبراته وأتفكر في نظراته، أو أجلسُ في مقعدٍ عتيق في أحدِ المسارح فأرى مسرحاً يموتُ فيه روميو وجولييت وشكسبير من خلف الستائر يسرق النظرة من حيث لايعلم الحاضرون، أو أبحثُ عن الشمس من قونية إلى دمشق في رحلة طويلة لجلال الدين الرومي وشيخه شمس الدين التبريزي، أو تنقلني السطور لذلك الملاك الثائر جبران خليل جبران حين كتب أدبياته فينقلك لقداسة العذراء وابنها عيسى في أطهر هالة، أو تهيج عواطفي في الثورة والحب معاً في تجانس منظم لقصائد نزار قباني، ثم البكاء على الضحك والضحك على البكاء مع لافتات أحمد مطر، وهكذا تحشرك مكتبة الحياة المتسعة بين دهاليزها تهمسُ لك أصوات الكُتَّاب الخافتة التي تخبرك بما لم ترى ومالم تسمع، حين أرخ المؤرخون ماعايشوه من مدن وحضارات ماكان سيمتد لنا الخبر وتستفزنا آثار الإنسان وحكاياته السالفة فنذهب لنزور الأثر الممتد من القدم فتقف العقول على الأزمنة وتندهش بصنيع البشر، ولا أكاد حتى أعيش مع من عاشوا العصور التي احتضنتها صدور الكتب، ولكن تبقى القراءة أبعدُ من مجرد متعة لمن أراد أن يدخل عوالمها وسحرها، هي تحادثك من على أرفف المكتبات بما يخبؤه كُتّابُها من أصواتٍ غائرة في الأعماق وأنت بدورك تقرأ على نفس درجة الصوت الغائر وقد ترفعُ ذبذبات صوتك قليلاً حتى مستوى مسامعكَ إن مررت بما يلامسُ روحك، ثم يبقى الأثر ووقعه على نفسك فتراه المتصرف في حوادث دهرك وطرقات أقدارك، وقد تلازمك كلمات أحدهم ولاتنفكُّ عن مسمعك ومن ثم يقعُ السحرُ على المسحور فتراك حين الحديث تنطق بأبلغه وحين الرأي تُبدي سديده وحين الحب تُعبر بأرقاه وحين البيان تستدل بأدحض حجة.

قيل أن حكماء الفراعنة كانوا من أوائل باعة الكتب إذكانت الكتب تقدم في المعابد من خلال نسخ كتاب المتوفى لأسرته وكان الكتاب يوضع مع الجسم في القبر لتوجيه الروح في مملكة الظلام، وكم كانت هذه الوظيفة على قدرٍ من الوفاء، تشبهُ مايصنعهُ القرّاء للكتاب في يومنا هذا، حين يوصي القاريء كتاباً لصاحبه، يدله فيها على مباهج تركن في زوايا الحياة لم يطلع عليها بعد، أو تكون بمثابة دليلاً له في حياتنا الدنيوية وحتى رحلتنا الأخرى لمن أحسن معرفتها.

وفي خضم الكم الهائل من المكتبات المنتشرة اليوم على شبكة الإنترنت بكل سهولة تختصر عليك احضار السلم العالي لتبحث عما تحب، لكن بنظري قد يكفي القاريء مجموعة من الكلمات حتى تصبح الحياة في عينيه مقنعة والأشياء مبهجة، فالفن والأدب أغنى ماقد تجود به الحياة على الإنسان حتى يرقدُ في كل ليلة في حرم الجمال.

وإن سألتني عن رفيقي في وحشتي وانفراجي في كدري وشكري في نعمتي ودليلي في تيهتي فسأخبرك عن قصة الإلهام التي أخفاها الله في كتابه فتشعر بآياته تأتي وتربتُ على كتفك وتطمئنك في قلبك، حين قال الله إقرأ، فقرأنا وانكشفت الحياة وأسرارها بآياته.

قال لي ولدي يوماً ما أحبُّ أن أقرأ يا أمي، فأزهرت الورود في أكمامها لطالما انتظرتُ موسم الإزهار حتى يكبر، وكنتُ على وجل عما ستكون علاقته مع الكتاب والورق، أخبرته أن بيت بلا كتاب كغرفة بلانافذة، وهذه الكتب ستخبرك بأسرار الماضين ونبؤات المستقبل فاحملها معك تعينك على الدُّنيا ومابعدها.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
هلال الوحيد
[ القطيف ]: 27 / 12 / 2017م - 6:56 ص
هكذا نكسب المعرفة ونغذيها لمن بعدنا.
الأم مدرسة وهكذا كانت امك وكذلك تكونين لأبنائك.
الف شكر على المشاركة والحث على التعلم.
من اجمل ما قرأت.
من اجمل ما قرأت.