آخر تحديث: 19 / 9 / 2020م - 2:14 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المجال الغربي والنزعة الإنسانية.. ملاحظات ونقد

الشيخ زكي الميلاد * صحيفة عكاظ

كان من المفترض لهذه النزعة الإنسانية التي وجد فيها الغرب سحرا وفتحا واكتشافا خلاقا أن تمنع الغرب وتردعه، ولا تجعله يقدم على تبني سياسات الغزو والسيطرة والاستعمار في تعامله مع بقية العالم غير الأوروبي، وهذا ما لم يحدث على الإطلاق، فلماذا لم تمنع هذه النزعة الغرب وتردعه عن هذا السلوك الاستعماري والإمبريالي المتوحش والبغيض.

تضع هذه القضية علامات استفهام كثيرة حول هذه النزعة وعلاقتها بالغرب، وحول الغرب وعلاقته بهذه النزعة، فهل المشكلة في هذه النزعة التي لم تستطع ردع الغرب!، أم المشكلة في الغرب الذي لم يرتدع من هذه النزعة!، أم أن المشكلة مزدوجة في الاثنين معا!.

من جهة هذه النزعة يمكن التساؤل: هل النزعة الإنسانية قابلة للتجزئة والانقسام بطريقة يمكن التعامل معها في مكان، وحجب التعامل معها في مكان آخر!، أم أنها نزعة يفترض أن يكون لها ماهية واحدة متحدة، ليس فقط غير قابلة للتجزئة والانقسام، وإنما لا تقبل من الأساس التجزئة والانقسام.

وهذا هو الصحيح، فالنزعة الإنسانية إما أن تكون نزعة واحدة متحدة لا تقبل التجزئة والانقسام، ولا تميز أو تفرق بين مكان وآخر، وبين مجتمع وآخر، ولا بين أسود وأبيض، ولا بين مجتمع متحضر ومجتمع غير متحضر.

إما أن تكون النزعة الإنسانية بهذه الماهية الواحدة المتحدة، أو لا تكون نزعة بهذا الوصف الإنساني، فليس هناك مثلا نزعة بمقدار النصف أو الثلث أو الربع أو غير ذلك، وليس هناك أيضا نزعة يمكن التحكم بدرجتها أو نوعيتها أو شكل تطبيقها أو غير ذلك.

ومن جهة الغرب، يمكن التساؤل: لماذا تغلبت عنده المصلحة على النزعة الإنسانية، ولماذا قدم المصلحة على هذه النزعة، وكأن المصلحة أهم من هذه النزعة، أو أنها أعلى درجة ورتبة منها، أو أن المصلحة تحضر وتتقدم في خارج أوروبا، في حين تحضر النزعة الإنسانية وتتقدم في داخل أوروبا، إلى غير ذلك من تساؤلات حرجة، لكنها لم تعد تحرج الغرب، ولم يعد ينظر إليها بهذا الحرج من أي مصدر جاءت.

وبقدر ما أسهم الغرب في تطوير المعرفة بهذه النزعة الإنسانية، وفي لفت الانتباه إليها، والكشف عن أهميتها وقيمتها وعظمتها، بقدر ما أسهم أيضا في إسقاطها، والانقلاب عليها، وإبطال مفعولها، وتفريغها من محتواها.

وهذه مفارقة غريبة، أظهرت الغرب أمام العالم بصورتين متناقضتين، صورة الغرب المتمدن والإنساني في داخل محيطه، وصورة الغرب الإمبريالي وغير الإنساني في خارج محيطه.

ما قام به الغرب داخل محيطه أثار دهشة وإعجاب العالم، لكن ما قام به خارج محيطه أثار هلع وفزع العالم، فخلال المرحلة الاستعمارية الطويلة ارتكب الغرب مجازر وفضائع وكوارث لا توصف ولا تنسى، منها عمليات إبادة، وجرائم ضد الإنسانية، أدت إلى قتل وإبادة آلاف وملايين من البشر، وهذا ما يعرفه الغربيون قبل غيرهم، وتشهد على ذلك وثائقهم وشهاداتهم وارشيفاتهم التي لم يكشف عنها بالكامل.

ويكفي شاهدا على ذلك، فضائع وجرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر الذي دام مائة وثلاثين سنة، خلال الفترة المتمددة ما بين «1830ــ 1962م»، وإلى اليوم ترفض فرنسا تقديم اعتذار عن تلك الجرائم التي تصل لدرجة الإبادة البشرية، والجزائر ما هي إلا شاهد من عشرات الشواهد..

وكانت أمام الغرب فرصة تاريخية بالغة الأهمية، سمحت له بإمكانية تعميم هذه النزعة الإنسانية، وتعريف العالم بها، وتقديم نفسه إلى الأمم والشعوب عن طريق هذه النزعة، ولو قام الغرب بهذا الدور لاكتسب صورة ناصعة ورائدة في العالم، لكنه وبسبب تاريخه الاستعماري والإمبريالي، فإنه قد أعاق وعطل وحجب إمكانية تعميم هذه النزعة، التي كان العالم بأمس الحاجة إليها.

فالغرب الذي تعرف على هذه النزعة، هو الغرب الذي عطل إمكانية تعريف العالم بهذه النزعة.

كاتب وباحث سعودي «القطيف»