آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 11:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

الوقاية والعلاج

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

«الوقاية خير من العلاج» مقولة نحفظها عن ظهر قلب ونحصر تطبيقها في الثقافة الصحية الا ان مفهوم الوقاية والعلاج ابعد من كونهما شعارا صحيا في تغليب الوقاية على العلاج والحث على اخذ الاحتياطات في السلامة الصحية.

الوقاية في قيمتها الفكرية وبعدها الواقعي هي العلم بالشيء واستباق الحدث والاحاطة به. واما العلاج فهو علم بعد الوقوع في الخطأ ومؤشر على الجهل بالاشياء التي افرزت اخطاء استوجب علاجها. ان مستقبل الانسان الواعد هو استثمار المعلومات التي تمكنه من بناء مستقبل فيه الوقاية تهيمن على العلاج. ان اللهث الذي يشهده عالمنا في البحث عن عقاقير لعلاج الازمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والصحية هو حقيقة صارخة على ان العالم يدار بعقلية الجاهل الذي يجعل من ممارساته وتخبطاته تجارب لا تفرز الا اخطاء وحاجة للعلاج الدائم.

الثانويةان العلاج قد يشير الى العلم بعد الجهل الا ان آثاره لا تختفي بمجرد تطبيقه، فكم من علاج لمرض ترك آثارا وعواقب. ان استمرار حركة العلاج في حياة الانسان تعني وبكل بساطة استمرارا للحلقة المفرغة من اخطاء تستلزم علاجا وعلاج لاخطاء انتجها العلاج. ان مقولتي الوقاية والعلاج تعبير عن واقع في ان كلا منهما ينم عن حقيقة ملازمة لمفهومي العلم والجهل. ان العالم الذي يتحرك في ظل ضوابط الحكمة والدراية هو عالم الوقاية الذي يؤسس باتجاه تعميق الثقافة لتسليح المجتمع الانساني بالدراية الكافية التي تمكنه من جهة في تجذير مفهوم الوقاية وفرض اقصى سبل الرقابة والمهارة في انتقاء صناع القرار. الوقاية تعني بناء مدرسة فكرية تجعل من ثقافة الدراية بالشيء ومكافحة العمل المبني على الجهل اساسا لعلاج هذا الواقع الذي يمارس العلاج اولوية والوقاية بمفهوم الثانوية. ان الوقاية والعلاج ثقافتان متصادمتان لان الاولى تكافح من قطاع واسع من مروجي ثقافة العلاج لما في العلاج من استثمارات لا تنضب لاخطاء لا تنتهي وحركة مصالح مزدهرة منها يجني المعالج ومروجو الاخطاء ثروات باهظة والخاسر في ازدهار هذه الثقافة هو الامل بالخروج من عالم الامراض والنكبات لعالم العدالة الاجتماعية. ان حجم الاستثمار في علاج اخطاء العلاج ونسبة النجاح في هذه المهمة الصعبة يفوق بكثير حجم الاستثمار في الوقاية. رأس المال الفاعل والوحيد المطلوب في انجاح الاستثمار في الوقاية هو الارادة في نشر ثقافة الدراية والاحاطة وتشجيع المجتمع على التخطيط الذي ينزل بالعلاج للحد الادنى. اذا ما تمكنت الاسرة ان تضمن رأس المال هذا وتمارسه بكل حرص واجتهاد فبالتأكيد يصبح المجتمع نتاج ثقافة الوقاية، اي ثقافة العلم والدراية وينزع عن نفسه ثوب ثقافة العلاج اي يتخلص من الجهل.