آخر تحديث: 13 / 8 / 2020م - 8:30 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة العيب وشارع عبدربه

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة اليوم

هناك من لا يعرف عن شارع «عبدربه» إلا الأغنية الشعبية الغزلية المشهورة لطاهر الأحسائي «في شارع عبدربه صادفوني.. ثلاثٍ رايحين الصالحية»، وهما موقعان في الهفوف. أما شارع عبدربه فكان بمثابة محيط تجاري مفتوح يعج بعشرات دكاكين الأقمشة والملابس والمستلزمات النسائية ومحلات الذهب يعمل بها مواطنون، وكنت تجد وشائج الصلات الانسانية المتراكمة بين البائع والمشتري واضحة، فأجيال تعاقبت لبنائها..

فلم يك مستغرباً أن من يعمل في المحل قد ورثه من أبيه وقد يورثه لابنه، وكذلك النساء المتسوقات أتين لهذه الدكاكين وهن صغيرات مع أمهاتهن.. وها هن يصطحبن بناتهن، ولذلك تجد الترحيب والنصيحة والمراعاة والبعد عن الغش والغبن..

واقتصادياً، فأرتال من عوائل مواطنة كانت تقتات من هذه المحلات. وعند التمعن ستجد أن «الآلة الانتاجية» تتجاوز البيع والشراء في دكاكين شارع «عبدربه» فقماش العبي والغطاوي النسائية «الدفاف» كان يستورد من سويسرا واليابان، فيضع أصحاب الدكاكين طلباتهم عند التاجر الذي يفصل العبي ويرسلها عبر صبي صغير السن لخياطها في ورش منزلية صغيرة كل من يعمل بها نساء «مواطنات» من بيوتهن.. حيث يسلم الصبي الطلبية الجديدة ويستلم الجاهز من طلبيات سابقة. عمليات إنتاجية بسيطة لكن جميع حلقات سلسلة التزويد تقوم على المواطن: صاحب محل بيع التجزئة مواطن، والتاجر مواطن، وصبيه مواطن، ومن يفصل العبي مواطن، ومن يخيطها مواطنة بل وتعمل من بيتها.

أما إذا اتجهت إلى القيصرية فستجد أن البضائع تختلف لكن المبدأ لا يتغير؛ المحتوى المحلي عال فالأقمشة تستورد وبعد ذلك يتناولها مواطنون خياطة وبيعاً «جملة وتجزئة» وشراءً.. هذا ينطبق على الثياب الرجالية والمشالح «البشوت» وأحياناً تتكامل الجهود بين الجنسين فمثلاً المشلح يخاط اجمالاً من قبل رجال لكن الجزء المذهب على الأكمام «المكسر» قد تقوم به نساء فيرسل لهن في بيوتهن.. من كان يعمل في هذه الأنشطة مواطنون أبناء أسر لها مكانتها الاجتماعية، فقيمة العمل كانت متفوقة على سطحية ثقافة العيب، والدليل أنك كنت تجد في نفس الأسرة من هو مالك للنخيل أو تاجر واسع الثراء وأبناء عمومته يعملون في أعمال حرفية بسيطة.. فكان الصغير يبدأ «صبيا» لكي يتعلم وبعد ذلك يتدرج حتى يصبح «معزباً» أي يصبح مالكا لعمل ثم يتوسع وتتوسع بذلك استفادة مجتمعه من نجاحه. ما ذكرت كان قبل جيل ونيف من الآن، وخلال أربعة عقود لا أكثر نسفنا كل ذلك بأن استقدمنا واستقدمنا واستقدمنا حتى اقتلعنا أنفسنا من اقتصادنا وعملياته الانتاجية على بساطتها.. مفضلين أن نتلقى ريعاً من عامل نستقدمه ليصبح هو المحور ونحن الأطراف!.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار