آخر تحديث: 11 / 8 / 2020م - 4:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

هكذا تكلم جحا الرومي..

حسن السبع صحيفة اليوم

نُسِبت شخصية نصر الدين خوجة الرومي الملقب بـ «جحا» إلى ثقافات مختلفة، وإذا كان مرادك الدعابة، وما وراء الدعابة من معنى، وإذا لم تكن ممن ينسب كلَّ شيء إيجابي إلى ثقافته، أو مصابا برهاب المفاهيم والمعارف المستوردة، فلن تحفل إن كان جحا عربيا أو روميا أو من أمريكا اللاتينية. غير أن الأتراك قد احتفوا بجحا الرومي أكثر من احتفائنا بجحا العربي «أبي الغصن». اختلفوا، كذلك، في شخصيته:

هل كانت شخصيته حقيقة أم خيالا؟ وهو سؤال متحذلق لا أهمية له. وتساءلوا: هل كان جحا حكيما أم مغفلا؟ وقد يعتمد تقييمك لشخصيته على تعريفك للحماقة والحكمة. فما تجده حكمة قد يجده بعضهم حماقة، والعكس صحيح. ولدينا في ما يجري على أرض الواقع شواهد كثيرة. فهنالك من ينظّر للحماقة ويبشّر بها باعتبارها عين العقل. ولكي لا يأخذني تيار التداعيات بعيدا أعود إلى طرفة تنسب إلى جحا، وقد أردت أن أستهل بها هذا المقال.

سأل أحدهم جحا مرة: إلى أية جهة «من الجهات الأربع» يولي وجهه إذا نزل النهر ليستحم؟ لم يكن السؤال منتجا، شأنه شأن كثير من الأسئلة التي تطرح يوميا في بعض البرامج التلفزيونية والإذاعية التي تستقبل أسئلة المشاهدين والمستمعين، والتي لا تمت إلى الواقع اليومي بصلة. أسئلة لا تلامس حتى الهامش، كما أنها أبعد ما تكون عن جوهر الأشياء. مع ذلك فهي تؤرق صاحبها الذي ينتظر إجابة ما يتوسدها لينعم بنوم هادئ.

قال جحا ردا على ذلك السؤال بأنه يولي وجهه الجهة التي ترك فيها ملابسه على الشاطئ! قد لا تكون تلك الإجابة التي انتظرها السائل، ولعله يبحث عن إجابة أخرى، ولعل جحا قد أدرك ذلك، لكنه آثر أن يركز في إجابته على شيء ملموس ومنتج ومفيد وذي صلة بالواقع المعيش، ولذلك افترض أن مراقبة ملابسه على الشاطئ لحمايتها من اللصوص قضية القضايا. ويبدو أن جحا أكثر حكمة وواقعية من أولئك المعنيين بالخوض في مسائل لا تمس حياتهم اليومية، أو تغير واقعهم إلى ما هو أفضل. ولعلنا بحاجة، دائما، إلى إجابات «جحوية» حكيمة وواقعية تذكّر السائل بأولوياته الملحة، وبالمسائل التي تمس حياته الحاضرة، ولها تأثير على مستقبله، وبحاجة كذلك إلى أسئلة ذكية منتجة تنسجم مع روح الحاضر، وتناسب متغيراته. وقد قيل: كل معرفة لا تؤدي إلى إثارة أسئلة جديدة محكوم عليها بالتلاشي.

السؤال الذكي المنتج مفتاح المعرفة، والخطوة الأولى على طريق الوعي. ولا يخشى الأسئلة إلا أولئك الذين يخشون أن تُقوَّضَ حقائقهم الخاصة، فيبيتون في العراء. وبخلاف ذلك، كانت الإجابات القاطعة المانعة هي المشكلة. فقد أوصدت كل الأبواب المشرعة في وجه أية فرضية أو احتمال، وأغلقت باب الاجتهاد والإبداع والابتكار، وأشعلت حرائق الخلاف والعنف. ويبدو أنه لا سبيل إلى ترميم ذلك الخراب الذي هندسته الإجابات الجاهزة إلا بفتح باب الأسئلة؛ والأسئلة الجديدة المنتجة على وجه الخصوص.

وبعد، فقد كانت تلك مجرد طرفة أو دعابة من دعابات جحا الرومي أو العربي، يمكن أن يمر بها المرء مرورا عابرا، إلا أن القراءة المختلفة للأشياء هي ما يمنحها معنى خاصا، ويجعل منها مادة للتأمل، وإثارة المزيد من الأسئلة.