آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 10:19 م  بتوقيت مكة المكرمة

عطّلْ عقلي بتعبير جاهز

حبيب محمود * صحيفة الشرق السعودية

كان أساتذتنا في الشعر يعيبون علينا استخدام القوالب الجاهزة. والقوالب الجاهزة هي تلك الصيغ الأدبية التي يُعاد استخدامها كما هي. والمثال الجاهز للجاهزية هو ذلك التشبيه الذي يضع الحبيب مقابل القمر أو الغزال أو البان. أو يضع الكرم مقابل البحر أو الغمام.. وهكذا.

والصيغ الجاهزة موجودة في كل اللغات والآداب. فلماذا المعايرة والتقريع في شأن «بنيوي» يمكن التغاضي عنه..؟

العلاقة بين الحبيب والقمر انهارت بعد صدمة البشر بكون القمر مجرد حجر كبير لا يضيء بل يعكس الضوء، وكرم الغيم ليس إلا جزءاً من عمليات فيزيائية نمطية. لكن القالب الجاهز في التعبير بقي كما هو؛ قبل المعرفة الواقعية وبعدها. وهذا سبب من أسباب سوء تكرار التعبيرات ذاتها.

وهذا لا يعني أن الحقائق الجديدة غيّرت شيئاً من نمط التفكير. فكم من مسؤول يستخدم تعبير «بلا شك ولا ريب» في شأن من الشؤون التي يجوز فيها الشك الطبيعي؟ وكم تعبيراً يتكرر علينا مؤكداً أن «الجميع يعلم»، في حين أن المنطق لا يساند أحداً في الحديث بلسان الجميع؟

هي ليست لغة جاهزة فحسب؛ بل هو تفكير جاهز تحفزه شهوة الاحتكار من دون أن نعلم، من دون أن نشعر حتى. ووراء هذه الشهوة أعطال متراكمة في قنوات التأمل والمراجعة والانتباه. وطبيعتنا العربية حاضنة أمينة للتقليد والمصادقة على ما يُقال ويُحكى. تماماً كما كان الغازي العربي القديم لا يسأل صاحبه إلى أين نحن ذاهبون؟ ولا يكلّف نفسه بالسؤال عن برهان مقنع. البرهان موجود في العلاقة الرابطة بين القائل والمتلقي.

وبلغة أخرى؛ كل شيء جاهز، ولا داعي لمراجعة أحد في شيء. وهكذا تستمر الحياة وتتداخل الأمور، وحين نصل إلى مرحلة من مراحل التوصيف نكرر «لا شك ولا ريب».. وأن ما نقوله «لا يدع مجالاً للشك».