آخر تحديث: 11 / 8 / 2020م - 7:28 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مهرجانات بلا هوية

محمد العباس * صحيفة اليوم

المهرجان هو احتفال شعبي، يقوم على استعراض فنون وعادات وتقاليد مجتمع ما من المجتمعات لتأصيل الموروث الثقافي أو إحيائه. بحيث تكون الهوية هي جوهر ذلك الاجتماع الجماهيري ومصدر غناه وتمايزه عن بقية الملتقيات. وهو تقليد إنساني تاريخي لا تخلو منه ثقافة من الثقافات. إذ يتم توقيته بموجب اعتبارات مناسباتية ذات معنى للمجتمع الذي يؤديه.

وفي السنوات الأخيرة صرنا على موعد مع متوالية من المهرجانات التي يُراد بها إعادة الروح الفنية للمجتمع وسد فراغ مساحات الفرح الغائبة. حيث يتم اختيار موسم العطلات للاجتماع في فسحة ترفيهية تحت عنوان المهرجان، كما يتم ابتكار عناوين جاذبة لتلك الاحتشادات، مستمدة من تاريخ المنطقة، أو عاداتها، أو حتى لهجتها، لتعزيز مفهوم الهوية.

ويبدو أن عنوان «جدة غير» كان هو اللافتة المُلهمة لبقية المناطق، حيث ظهر فيما بعد مهرجانات في القصيم بعنوان «بريدة وناسة» وفي الأحساء «حسانا فله» وفي القطيف «واحتنا فرحانة». وهكذا توالت الأسماء التي تحيل بمجرد مطالعتها إلى المنطقة التي تتبنى المهرجان، وفق خصائص معروفة، وشفرات لغوية متعارف عليها. بالإضافة إلى مهرجانات اكتفت بعناوين أنيقة وحيادية كمهرجاني «سنابل الخير» و«الوفاء» في سيهات.

ولا شك أن عنوان المهرجان يأتي في مقدمة الأولويات لأي مهرجان، فهو المدخل إلى ثقافة المجتمع، ويعكس فيما يعكس ثقافة القائمين عليه، ومدى استشعارهم لأهمية ومكانة الأرض الذي تقام عليه الفعاليات. كما أن طريقة العرض تعني الكثير في هذا المقام. ولكن الأهم هو فحوى المهرجان ذاته، ومضمونه، وموضوعه، وطبيعة الاستعراضات التي يتكئ عليها لإبراز الهوية، وإحداث الفرق بينه وبين بقية المهرجانات.

ولكن، الملاحظ أن المهرجانات تعتمد في مجملها على مسرحيات هزلية نيئة، تم تأليفها وإعدادها وإخراجها على عجل. وعروضات فلكلورية مسطحة، لا تتعدى المصنوعات اليدوية وبعض مآثر الأعمال المشغولة بالطين والخوص. ومحاضرات دينية وتربوية تعقيمية. بالإضافة إلى مزيج هجين من الفنون التشكيلية والفوتوغرافية والأناشيد والمسابقات والرياضات المستوردة. وكأن المهرجان قد تحول إلى حفلة شعبية بدون عنوان ولا هدف.

لا يكفي أن يحمل المهرجان لافتة تدل على المكان، فمن يصادف كلمة «الدوخلة» سيتحرك في داخله الفضول لمعرفة معنى رمى أهل سنابس للقفف المملوءة بالسماد ونبتات الشعير في البحر. ومن يقرأ البهجة المخبوءة في عبارة «صيفنا يليق بضيفنا» يريد أن يعرف ما هو أجمل من اعتدال الطقس في الطائف. ومن يلمح لوحة الترحيب الحائلي «أهلاً بالضيف والصيف» سيرغب بالتأكيد في التعرُّف على ما هو أبلغ من الكرم الحاتمي. ومن يطالع الجملة الإخبارية «الجوف حلوة» يتمنى بالفعل أن يطل على مكمن تلك الفتنة. ومن يتأمل شعار «أبها ولا أبهى» سيكون أكثر شوقاً لاكتشاف سر البهاء في عسير. ولا يمكن لمن تصطدم حواسه بعبارة «جازان الفل مشتى الكل» إلا أن يفكر فيما وراء تلك الدعوة المغرية والمحرضة على الزيارة، فالعنوان دائماً بحاجة إلى ترجمة جمالية وافية على أرض الواقع.

إن امتياز هذه المهرجانات يكمن في كونها منبثقة من رغبة شعبية، بمعنى أنها تتأسس على مبادرات خاصة بمعزل عن المؤسسة الثقافية. ولها ميزانيات ضخمة يمكن بموجبها تنفيذ برامج تلبي تطلعات الناس، بدون الالتزام بصرامة المحافل الرسمية وبروتوكولاتها. وهذا ما يُفترض أن تكون عليه. وبالتالي ينبغي على القائمين عليها تحقيق ما تزعمه عناوينها، وترجمة رغبة الناس في الفرح، واستعادة الهوية، والاحتفاء بالمخزون التراثي بشكل لائق. وهو أمر ممكن ومستوجب، فكل مناطق المملكة تختزن من الموروث ما يؤهلها لإبراز مكانتها وفرادتها. بمعنى أن تُبرمج المجتمعات البحرية والصحراوية والقروية مهرجاناتها على هذا الأساس، لا أن تنصهر كلها في هجين ثقافي ترفيهي شائه لا يعكس شيئاً مما كانه أجدادنا، ولا يؤسس لشيء مما يمكن أن نصيره.

ناقد وكاتب