آخر تحديث: 11 / 8 / 2020م - 4:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

بعد الحج نتقابل.. فهل نعود لنتقاتل؟!

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة اليوم

لم تبرح الصحافة الأجنبية حتى الرصين منها تمطرنا بمقالات وتحاليل عن الحج، وليس أخرها ما كتبته الفايننشال تايمز عن الاستعدادات الأمنية في الحج، وهو أمر معتاد. أما ما يفوت على الكثير تغطيته فهو التجربة الروحانية. القضية الأهم أن المسلمين من كل مكان يتطلعون لهذا الصعيد الطاهر بقدسية طاعة لله سبحانه وتعالى. تجربة الحج - كما نعلم - تجربة فريدة لا يدركها إلا من مَرّ بها،

فهي ركن يمارسه المسلمون انصياعاً لله، وفوق ذلك يشعر الحاج أنه مقبل على الله منقطع لعبادته، وهي ممارسة في ترويض النفس إذ لين يستطيع الافلات أي شخص مهما أحاط نفسه بمظاهر البزح والرفاه، لن يفلت من أن يتملكه شعور بأنه فرد من ملايين محتشدة وأنه فقير كبقية الزاحفين للشيء الأهم وهو رضا الله ومغفرته. قبل العام قصدت الحج، سكنت في غرفة ضيقة مع أربعة أشخاص آخرين. كانت البساطة هي السمة السائدة، ورغم كل شيء كان لكل شيء متعة ومذاق، حتى «استكانة» الشاي فترة الراحة. لعل مرد ذلك أن من أتى الى مكة المكرمة قد حسم أمره للانقطاع للعبادة والطاعة والانشغال بذلك انشغالاً تاماً وأي فسحة قصيرة أو لقمة أو رشفة يكون لها طعم وكأن الشخص يستكشف الأشياء من جديد.

قبل العام لم يك قطار المشاعر قد اكتمل إلا ثلاثين بالمائة منه، فلم أجرب مزايا هذا المشروع الضخم، لكني ومجموعة من الحجاج قررنا أن نقطع المسافة من سيرا على الأقدام. كان ذلك مشهد لا يوصف، فيه تجرد لمئات الآلاف بلباسهم البسيط وتحركهم في اتجاه واحد وفي وقت واحد ووجدانهم يلهج بالدعاء قربة لله الواحد الأحد.. تلك لحظات لن أنساها ما حييت. شعرت بأن تفاني الجميع في الطاعة والتوجه لله سوياً يجسد معاني لا نلتفت لها أو لا يلتفت لها الا القليل منا؛ فما أن نغادر المكان حتى نتفرق جسداً وروحاً، بل ومنا من يتقاتل ويتذابح ويتخاصم ويحيك للآخرين المكائد ويحط بعضنا من قدر بعض فنصبح أشلاءً ممزقة رغم أن وحدتنا على الصعيد الطاهر تقول أن نكون جمعاً واحداً.

هذا العام، استرجعت تجربة الحج الفريدة عندما أخبرتني ابنتي بأنها قاصدة بيت الله. سرني ذلك، وتجسدت أمامي الشعائر والمشاعر.. وكيف سنحت الفرصة ونحن في سطح الحرم أن نرمق الكعبة والحجيج في طوافهم.. صورة تشع طاعة وتألفاً، ولا أزال أدعو الله في هذا اليوم المبارك ألا تكون قلوبنا شتى فما أن نغادر الصعيد الطاهر حتى نتقابل كي نتقاتل حقيقة ومجازاً.. بعد أن مَنَّ الله على الحجيج بالعودة سالمين غانمين.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار